اعلان
اعلان

رأي

حب إكسبريس

تاريخ النشر: 16 سبتمبر, 2017

حب إكسبريس

 

بقلم : ناريمان الحكيم

خبيرة في التنمية البشرية ومهارات السعادة والطاقة الايجابية

في زحمة هذه الحياة وايقاعها السريع جداً وفي ضوضاء وتوتر هذا العالم الرقمي المتراكض الذي طغى فيه التواصل الالكتروني  على معظم قنوات التواصل نتساءل بشغف عن أخبار الحب ؟ فمنذ زمن طويل لم نسمع عنه وعن أخباره بعد ان أصبحت وجوه الناس غارقة في مطالعة شاشات الهواتف والايبادات والحواسيب وأجهزة التلفزة و أصبح هناك 2 مليار في العالم يطالع كتاب الوجوه Facebook بدلاً من مطالعة وجوه الأحبة Facelook ،

 

في خضم هذا الزحام الرهيب يتبادر  لأذهاننا التفكير في التطورات التي طرأت على المشاعر الصادقة والحب ونحنُّ الى ذلك الزمن الجميل الذي كان الحب فيه جميلاً وعذرياً نقياً وعفيفاً حيث كان العشاق يتعذبون ويعيشون قصص حبهم الجميلة التي يعانون فيها من الفراق ويتألمون، تضعف شهيتهم للطعام فلا يأكلون شيئاً فيضعفون ويتلاشون، يتبادلون رسائل الحب المعطرة بنبل عاطفتهم والمكتوبة بخط أيديهم المرتجفة حباً وعشقاً وحسرةً فيكتبون الشعر و يذرفون الدموع  عندما لا يتوج حبهم بالنهاية السعيدة التي يرجون وكأنها هي حال العشاق وقدرهم بأن لا يتزوجوا بمن يحبون  فينكسرون ويحتضنون حبهم في قلبهم على مدار السنين وهذه ما عبر عنه الشاعر في قوله:

بروحي تلك الأرض ما أطيب الربا ...وما أحسن المصطاف والمتربعا

واذكـــــــر أيــــام الحمى... ثم انثني على كبدي من خشـــية ان تصدعا

وليســــت عشيات الحمى برواجع... اليــــــك ولكن خل عينيك تدمعا

كأنّا خلقنـــــا للنـــــوى وكأنــــما ...حـــرام على الأيــــام أن نتجــــمعا

 

كان الحب حقيقياً ومؤلماً وموجعاً ،وهذا ما رواه الرواة عن قصة ( ومن الحب ما قتل) من ذلك الزمن البعيد الجميل إذ قال الأصمعي : مررتُ ذات يوم على صخرة في الحجاز فوجدت مكتوب عليها بيت من الشعر ، وكان من عادة العرب أنهم يردون على الشعر بشعر آخر وكان مكتوب على الصخرة :

أيا معشر العشاق بالله خبروا... إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع؟

فجاوب الأصمعي: يداري هواه ثم يكتم سره ....... ويخشع في كل الأمور ويخضع

وفي اليوم الثاني مر الأصمعي ووجد العاشق قد رد بالبيت التالي:

وكيف يداري والهوى قاتل الفتى ...... وفي كل يوم قلبه يتجرع

فرد الأصمعي عليه بقوله : إذا لم يجدا صبرا لكتمان أمرِه ........ فليس له سوى الموت ينفع

قالها الأصمعي ولم يعلم ما هي العواقب ومرَّ في اليوم الذي بعده فوجد شاباً ميتاً عند هذه الصخرة ، ما علِم الأصمعي أن الشاب العاشق يفعلها فقد قتل الشاب نفسه وقد كتب على الصخرة:

سمعنا وأطعنا ثم متنا فبلغوا .. سلامي إلى من كان للوصل يمنع

هنيئأً لأرباب النعيم نعيمهم .... وللعاشــق المسكـين مــا يتجــرع

 

مقارنة مع ذلك الزمن الجميل الرومانسي الذي يهيم فيه العاشق بمحبوبه البعيد المحجوب عنه .. والذي ينتهي ببعضهم للجنون أو للموت .. لا يبدو الحب في هذا الزمن الصعب له طعم يذكر أو لون ، فهو باهتٌ وشاحبٌ وبارد وسطحي، إنه حب إكسبريس  يبدأ وينتهي سريعاً ولا يترك أثراً يذكر ليبدأ بعده حب جديد.

 ونختتم بأبيات مختارة من أجمل ما قيل في الحب من جميل بثينة :

وأول ما قاد المـودّة بينـنـا * * * بوادي بغيضٍ يا بثين سِبابُ

وقلت لها قولاً ، فجاءت بمثله * * * لكل كـلامٍ يا بثيـن جوابُ

ألا أيّها النـوّام وَيْحَـكُمُ هُبّوا **  أُسائِلُكُمْ هل يَقْتُلُ الرّجلَ الحُبُّ؟

فقالوا : نعم حتّى يَسُلَّ عظامه ** * ويتركه حيـران ليس له لُـبُّ

أعاتب من يحلو لديّ عتابه * * * وأترك من لا أشتهي وأجانبه

ارحميني فلقد بليت فحسبي ** * بعض ذا الدّاء يا بثينة حسبي

لامني فيك يا بثينة صحبي * * * لا تلوموا لقد أقرح الحب قلبي

زعم النـاس أن دائي طبّي * * * أنـتِ والله يا بثيـنـة طبّي

________________________________________