هذا العام الجديد 2026 يحمل لي معنى خاصًا جدًا، فهو ليس مجرد بداية لعام جديد، بل هو احتفال بمرور خمسة عشر عامًا على انطلاقة رحلتي مع بزنس نيوز — خمسة عشر عامًا من التحديات، الإصرار، الأحلام الكبيرة، النكسات، الانتصارات الصغيرة والكبيرة، والإيمان بأن الصحافة الاقتصادية النزيهة هي رسالة تستحق كل جهد.
قبل خمسة عشر عامًا، في أواخر 2009، كنت عند مفترق طرق حاسم في حياتي المهنية. كنت أشغل منصب المدير الإقليمي لإحدى المجلات العالمية العريقة، Newsweek النسخة العربية، وأشهد بأم عيني انهيار الإعلام التقليدي بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008. ذلك العام كان كارثيًا: غرف الأخبار أغلقت، آلاف الوظائف ضاعت، وعناوين تاريخية اختفت للأبد. شعرت حينها بالخوف والقلق، لكن شيء بداخلي قال لي: “هذه ليست النهاية، بل بداية جديدة”.
كان إغلاق النسخة العربية لـ Newsweek بالنسبة لي صدمة شخصية ومهنية، لكنه أيضًا كان لحظة وعي غيرت مسار حياتي. شعرت أنه إذا لم أبادر أنا وفريقي الآن، فإن الفرصة للابتكار وبناء شيء جديد سيضيع. في أوائل 2009 بدأت التخطيط لتأسيس ما سيصبح لاحقًا بزنس نيوز. كانت خطواتنا الأولى مليئة بالتحديات: الحصول على التراخيص، التعامل مع الإجراءات القانونية المعقدة، وضع خطة واضحة لمجلة اقتصادية محلية يمكن أن تثبت نفسها وسط سوق مليء بالمنافسين والأزمات. استغرق هذا التحضير أكثر من 9 أشهر، كل يوم كان مليئًا بالتوتر، وكل لحظة كانت اختبارًا للإرادة والصبر.
عندما صدر العدد الأول من بزنس نيوز في 2010، كان العالم الإعلامي مختلفًا تمامًا عن اليوم. الطباعة كانت الملك، والمواقع الإلكترونية مجرد نسخ بسيطة للمجلات الورقية. لم يكن أحد يتوقع أن يقرأ الناس الأخبار الاقتصادية على هواتفهم الذكية، في الوقت الفعلي، ومن خلال منصات متعددة. وكانت وسائل التواصل الاجتماعي في بداياتها، ولم نكن نعرف مدى تأثيرها الكبير على صناعة الإعلام.
لكننا استمررنا.
واجهنا العديد من محطات الفشل: أوقات انخفض فيها التوزيع، ومرات شعرنا فيها أن الرسالة لم تصل، ونكسات مالية ومهنية جعلتنا نتساءل إن كنا نسير في الطريق الصحيح. وفي الوقت نفسه، كانت هناك محطات نجاح صغيرة: عدد قليل من القراء الذين أصبحوا مخلصين، شراكات أولى مع جهات مرموقة، وزملاء آمنوا بالرؤية وشاركوا الشغف. كل نجاح صغير كان يشبه شعلة أمل في ظلام الشكوك.
ثم جاء التحدي الأكبر: الثورة الرقمية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي. فجأة تغير كل شيء: نمط استهلاك الأخبار، سرعة وصول المعلومات، توقعات القراء. كان علينا أن نتعلم بسرعة، أن نتكيف، وأن نعيد ابتكار أنفسنا دون أن نفقد هويتنا. كانت لحظات صعبة، لكننا لم نتوقف. تعثرنا أحيانًا، وارتكبنا أخطاء، لكننا تعلمنا من كل تجربة، وحافظنا على شغفنا ورؤيتنا. الاستسلام لم يكن خيارًا، والوقوف عند أول عقبة لم يكن جزءًا من قيمنا.
اليوم، بعد خمسة عشر عامًا، أنظر إلى بزنس نيوز وأشعر بفخر لا يوصف. ما بدأ كمجلة ورقية بسيطة أصبح اليوم مجموعة إعلامية متعددة المنصات، تصل إلى آلاف القراء في الشرق الأوسط، أوروبا، آسيا، وأمريكا. موقعنا الإلكتروني يستقبل أكثر من 200 ألف زائر شهريًا، ومنصاتنا الاجتماعية تصل إلى جمهور عالمي على إنستغرام، لينكدإن، X، تيك توك، ويوتيوب.
لكن الأهم من الأرقام، أن بزنس نيوز لم تتخلى عن مبادئها: الشفافية، الموضوعية، والمصداقية. في زمن تنتشر فيه الأخبار المضللة أسرع من الحقيقة، كنا ولا زلنا صرحًا للثقة، وملتزمين بتقديم محتوى اقتصادي واقعي، بدون مبالغة أو تحريف، مع احترام عقل القارئ وإلهام روحه.
رحلتنا لم تكن ممكنة بدون الفريق الرائع الذي آمن بالرؤية منذ البداية، بدون الشركاء الذين وضعوا ثقتهم بنا، وبدون القراء الذين اختارونا عامًا بعد عام، ومنحونا الدعم الذي أبقى هذه الرحلة مستمرة.
اليوم، ونحن نحتفل بخمسة عشر عامًا من العمل الجاد والتحديات والانتصارات، أشعر بمزيج من الفخر والامتنان والحماس لما هو قادم. رسالتي لا تزال واضحة: الاستمرار في التطور، الابتكار، وتقديم صحافة اقتصادية تلهم، تعلم، وتكسب الثقة دائمًا.
رحلة خمسة عشر عامًا لم تنته، وما زلنا مستمرين، بقوة أكبر، وإيمان أعمق، وشغف لم يتوقف يومًا.
محمد سلمان
رئيس التحرير
بزنس نيوز




