
بقلم: محمد سلمان ، رئيس التحرير
منذ الثورة الصناعية التي انطلقت في بريطانيا في القرن الثامن عشر، بُني الاقتصاد العالمي على تعدد المراكز الصناعية. انتقلت القوة الإنتاجية لاحقاً إلى أوروبا والولايات المتحدة واليابان، ثم لحقت بها اقتصادات آسيوية وناشئة، فتوزعت المصانع والوظائف والاستثمارات والثروة بين عدد كبير من الدول.
هذا التوازن لم يكن مثالياً، لكنه منع لسنوات طويلة احتكار الصناعة العالمية من طرف واحد.
اليوم، هذا التوازن يتعرض لاختبار حقيقي.
الصين لم تعد مجرد دولة تستفيد من العمالة الرخيصة أو تصنع منتجات منخفضة التكلفة. لقد تحولت إلى قوة صناعية هائلة تمتلك مصانع عملاقة، وسلاسل توريد متكاملة، وقدرات تكنولوجية متقدمة، وتنافس في السيارات والبطاريات والإلكترونيات والطاقة الشمسية والآلات والصناعات الثقيلة.
المشكلة ليست في نجاح الصين، ولا في قدرتها على التصنيع بكفاءة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القوة إلى فائض إنتاج ضخم يُدفع إلى الأسواق العالمية بأسعار لا تستطيع الصناعات المحلية في كثير من الدول مجاراتها.
هنا لا تعود القضية منافسة طبيعية.
هنا تبدأ معركة بقاء صناعية.
السيارة الرخيصة قد تكون بداية المشكلة
قطاع السيارات الكهربائية يقدم اليوم المثال الأكثر وضوحاً.
الشركات الصينية أصبحت قادرة على تقديم سيارات بتكنولوجيا متقدمة وأسعار شديدة التنافسية، مستفيدة من السيطرة على جزء كبير من سلسلة توريد البطاريات ومن اقتصاديات الحجم والدعم الصناعي الواسع.
وهذا جيد للمستهلك في المدى القصير.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح السيارة المستوردة أرخص إلى درجة تجعل المصنع المحلي غير قادر على المنافسة؟
النتيجة معروفة: تخفيض الإنتاج، تقليص العمالة، تجميد الاستثمارات، إغلاق خطوط إنتاج، وربما خروج شركات كاملة من السوق.
وإذا وقع ذلك في قطاع السيارات فقط، فقد تستطيع الاقتصادات الكبرى احتواء الضرر.
أما إذا تكرر المشهد في الصلب، والألواح الشمسية، والبطاريات، والإلكترونيات، والآلات، والكيماويات، ومعدات الطاقة، فإننا نكون أمام تفريغ تدريجي للقاعدة الصناعية في دول بأكملها.
المشكلة ليست في الأسعار فقط
هناك من سيقول: ما المشكلة إذا حصل المستهلك على منتج أرخص؟
المشكلة أن المواطن ليس مستهلكاً فقط.
هو أيضاً موظف وعامل ودافع ضرائب وصاحب مشروع.
والدولة لا تعيش من انخفاض الأسعار وحده، بل من النشاط الاقتصادي، والإنتاج، والوظائف، وأرباح الشركات، والاستثمارات، والضرائب.
إذا أغلقت المصانع واختفت الوظائف، لن تعوض السيارة الرخيصة فقدان راتب العامل أو تراجع إيرادات الدولة.
ولهذا فإن إغراق الأسواق بالسلع الرخيصة قد يكون مكسباً استهلاكياً مؤقتاً، لكنه قد يتحول لاحقاً إلى خسارة اقتصادية واجتماعية أوسع بكثير.
من يفقد صناعته يفقد جزءاً من سيادته
الصناعة ليست مجرد نشاط تجاري.
الصناعة تعني مهارات، وتكنولوجيا، وسلاسل توريد، وقدرة على التصنيع وقت الأزمات.
لقد تعلم العالم خلال جائحة كورونا، ثم خلال الاضطرابات الجيوسياسية، أن الاعتماد المفرط على الخارج في السلع الاستراتيجية يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة.
ولهذا فإن فقدان الصناعات المحلية لا يعني فقط خسارة الوظائف، بل يعني أيضاً فقدان جزء من القدرة الاستراتيجية للدولة.
الدولة التي لا تستطيع تصنيع مكوناتها الأساسية أو معداتها أو وسائل نقلها أو تقنياتها الرئيسية تصبح أكثر اعتماداً على الآخرين وأكثر تعرضاً للصدمات السياسية والاقتصادية.
العالم لن يقبل بهذا الوضع طويلاً
من الخطأ الاعتقاد أن القوى الصناعية الكبرى ستشاهد مصانعها تغلق ومئات الآلاف من الوظائف تختفي ثم تكتفي بالمراقبة.
الرد بدأ بالفعل.
رسوم جمركية، دعم حكومي للصناعات المحلية، برامج لإعادة المصانع إلى الداخل، قيود على الاستثمار والتكنولوجيا، وسياسات واضحة لتقليل الاعتماد على الصين في بعض القطاعات الاستراتيجية.
وهذا يعني أن التوتر التجاري مرشح للتصاعد.
وكلما زادت الصين من فائض إنتاجها، ستزداد الضغوط السياسية داخل الدول المنافسة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
قد تبدأ الحرب برسوم جمركية، ثم تتحول إلى قيود على التكنولوجيا، ثم إلى منع استثمارات، ثم إلى انقسام سلاسل التوريد إلى كتل منفصلة.
وحينها سيدفع الجميع الثمن.
الصين أيضاً ستدفع الثمن
المفارقة أن هذه السياسة قد تنقلب على الصين نفسها.
فإذا اعتمدت المصانع الصينية على الأسواق الخارجية لتصريف فائض إنتاج ضخم، ثم بدأت تلك الأسواق في إغلاق أبوابها أو فرض رسوم مرتفعة، ستجد الشركات الصينية نفسها أمام أزمة من نوع آخر: مصانع ضخمة، إنتاج هائل، وطلب خارجي يتراجع.
وعندها ستتحول المنافسة داخل الصين نفسها إلى حرب أسعار، وقد تتراجع الأرباح، وتتعثر الشركات الأضعف، وتزداد الضغوط على الاقتصاد.
أي أن نموذج النمو الذي يعتمد على التوسع الصناعي غير المحدود والتصدير المستمر لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
الخطر الأكبر سياسي قبل أن يكون اقتصادياً
التاريخ يعلمنا أن انهيار الصناعات وارتفاع البطالة وتراجع مستويات المعيشة لا تبقى مسائل اقتصادية فقط.
هي تتحول سريعاً إلى غضب اجتماعي وضغط سياسي.
وعندما يشعر المواطن بأن وظيفته ومستقبله مهددان بسبب الواردات والمنافسة الخارجية، سيطالب حكومته بالحماية.
وعندما تتنافس الحكومات على حماية مصانعها ووظائف مواطنيها، تصبح القرارات أكثر تشدداً.
من هنا، فإن الخطر الحقيقي ليس أن تبيع الصين منتجات أرخص.
الخطر هو أن يؤدي الاختلال الصناعي العالمي إلى موجة من الحمائية والصراع الاقتصادي قد تعيد العالم عقوداً إلى الوراء.
العالم يحتاج إلى الصين.. لكنه لا يستطيع الاعتماد عليها وحدها
لا أحد يستطيع إنكار أن الصين قدمت للعالم منتجات أرخص، وساهمت في تطوير سلاسل توريد ضخمة، وخفضت تكلفة تقنيات مهمة مثل الطاقة الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية.
لكن نجاح الصين لا ينبغي أن يعني نهاية الصناعة في بقية العالم.
الاقتصاد العالمي الأكثر استقراراً هو اقتصاد متعدد المراكز، تنتج فيه أوروبا وأمريكا واليابان وكوريا والهند ودول الخليج والدول الناشئة إلى جانب الصين.
أما أن يتحول العالم إلى سوق استهلاكية ضخمة لمصنع واحد، فهذه ليست عولمة صحية.
إنها تبعية صناعية خطيرة.
الصين القوية مفيدة للعالم.
لكن الصين التي تصبح المصنع شبه الوحيد للعالم قد تتحول من قوة تدعم التجارة الدولية إلى عامل يهدد توازنها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل تستطيع الصين إنتاج المزيد؟
بل: كم صناعة يستطيع العالم أن يخسر قبل أن يكتشف أن السعر الأرخص كان أغلى مما تصور؟

