تغيّرت نظرتنا إلى المباني المستدامة. فاليوم، يمثل قطاع المباني نحو 32% من استهلاك الطاقة العالمي و34% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يجعل كفاءة الطاقة، وخفض الانبعاثات، والاستخدام المسؤول للموارد من أبرز أولويات قطاع العقارات.
لكن الحد من الأثر البيئي للمبنى لا يمثل سوى جزء من المعادلة. فالسؤال التالي هو: هل يمكن للمباني أن تساهم بفعالية في تعزيز صحة قاطنيها، ودعم النظم الطبيعية المحيطة بها، وخدمة المجتمعات التي توجد فيها؟
هذا هو جوهر مفهوم العقارات التجديدية، أو العقارات المصممة لتعزيز الديمومة الصحية. فبدلاً من التركيز فقط على ما يستهلكه المبنى أو ما يمكنه الحد منه، ينطلق التطوير التجديدي من سؤال أوسع: ما الذي يمكن للمبنى أن يقدمه؟ ويشمل ذلك تصميم بيئات معيشية أكثر صحة، ودعم الطبيعة، واستخدام الموارد بكفاءة أكبر، وتعزيز قدرة المبنى على التكيف والصمود مع مرور الوقت.
بالنسبة إلى شركة “آر إيفوليوشن”، تساهم هذه المقاربة في تشكيل ملامح الجيل القادم من المشاريع السكنية، إذ تبرز أربعة تحولات رئيسية ترسم مسار الانتقال من العقارات المستدامة إلى العقارات التجديدية.
1. الطبيعة أصبحت جزءاً أساسياً من معايير جودة السكن
في حين ركزت التنمية المستدامة تقليدياً على الحد من البصمة البيئية للمباني، تنطلق العقارات التجديدية من مبدأ أوسع، مفاده أن المباني جزء من النظم الطبيعية المحيطة بها، وبالتالي ينبغي أن تساهم بشكل إيجابي في هذه البيئات.
ويعكس هذا التحول تغيراً في توقعات المشترين. فقد أظهرت دراسة أجرتها شركة نايت فرانك للاستشارات العقارية وشملت أفراداً من ذوي الثروات الهائلة المهتمين بالعقارات في دبي، أن القرب من الحدائق والمساحات الخضراء يكتسب أهمية متزايدة، بما يشير إلى أن الوصول إلى الطبيعة أصبح عاملاً مؤثراً في كيفية تقييم الناس لأماكن إقامتهم.
وبالنسبة إلى المطورين، يعني ذلك أن الطبيعة لم تعد مجرد ميزة إضافية أو عنصر رفاهية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من جودة البيئة السكنية وقيمتها على المدى الطويل.
2. صحة الإنسان أصبحت جزءاً من معايير أداء المباني
تقليدياً، اعتمد تقييم أداء المباني على عوامل مثل كفاءة الطاقة، واستهلاك المياه، ومستويات الانبعاثات. لكن مفهوم العقارات التجديدية يوسّع هذا التعريف ليشمل الظروف التي يعيشها السكان ويختبرونها داخل المبنى بشكل يومي.
فجودة الهواء والمياه، ودرجة الحرارة، والإضاءة، والخصائص الصوتية، وإمكانية التواصل مع الطبيعة، كلها عوامل تؤثر في جودة البيئة الداخلية. وتكتسب هذه العناصر أهمية متزايدة في المشاريع السكنية مع ارتفاع اهتمام المشترين بالصحة، والتعافي، وجودة الحياة.
ويتجسد هذا التوجه في مشاريع مثل “إيوا شجرة الحياة”، التي تدمج جودة الهواء والمياه، والمواد منخفضة السمية، والتصميم الحيوي ضمن نهج متكامل يضع البيئة المعيشية وصحة السكان في صميم التصميم.
ويعكس ذلك تحولاً أوسع في السوق. فقد بلغت قيمة قطاع العقارات المعززة للصحة والعافية في دولة الإمارات 14.6 مليار دولار أمريكي في عام 2025، فيما يُتوقع أن تصل قيمة السوق العالمية لهذا القطاع إلى 1.8 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030. وبالتوازي، تعمل دبي على تطوير منظومة أكثر تكاملاً تركز على تعزيز الديمومة الصحية، بما في ذلك تأسيس “هيئة دبي للديمومة الصحية”.
ولهذا التوجه تأثير مباشر على القطاع العقاري، إذ لم تعد العافية تقتصر على مرافق منفصلة مثل الصالات الرياضية والمنتجعات الصحية والمسابح، بل أصبحت مرتبطة بالمبنى نفسه وبالظروف التي يوفرها للحياة اليومية.
3. كفاءة استخدام الموارد تحولت من اعتبار تشغيلي إلى مبدأ أساسي في التصميم
يُحدث التطوير التجديدي تغييراً في نظرة المطورين إلى الموارد المستخدمة في تشييد المباني، من خلال النظر إلى دورة حياة المبنى بالكامل، وليس فقط إلى مرحلة التشغيل.
ويُقدّر المجلس العالمي للمباني الخضراء أن البيئة المبنية تستهلك نحو 15% من المياه العذبة عالمياً. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث يفرض شح المياه ضغوطاً إضافية على تصميم المشاريع وتشغيلها. أما مواد البناء، فتمثل تحدياً آخر، إذ يعد الأسمنت والصلب من المساهمين الرئيسيين في الانبعاثات العالمية، فيما تنتج أنشطة البناء كميات كبيرة من النفايات.
وتعالج المناهج التجديدية هذه التحديات في مراحل مبكرة من عملية التطوير، من خلال اختيار المواد، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وإعادة استخدامها، واعتماد مواصفات منخفضة الكربون.
ومن المهم الإشارة إلى أن خفض الانبعاثات الكربونية المضمّنة لا يتطلب بالضرورة تكاليف إضافية كبيرة. فقد أظهرت أبحاث أجراها معهد روكي ماونتن أن بالإمكان خفض الانبعاثات الكربونية المضمّنة الأولية بنسبة تتراوح بين 19% و46% من خلال استراتيجيات متاحة حالياً في اختيار المواد والمواصفات، مع زيادات في التكلفة تقل عن 1%.
لذلك، لا تكمن الفرصة في استهلاك موارد أقل فحسب، بل في إعادة التفكير في كيفية اختيار المواد والمياه والطاقة، واستخدامها، والحفاظ عليها طوال دورة حياة المبنى.
4. القيمة طويلة الأجل تعتمد على قدرة المباني على التكيف
الاستثمارات العقارية بطبيعتها استثمارات طويلة الأجل. ومع ذلك، غالباً ما يُقيّم التطوير العقاري ضمن دورة قصيرة نسبياً تركز على التصميم والبناء والإطلاق والبيع. أما مفهوم العقارات التجديدية، فيوسّع هذا الإطار الزمني ليتساءل عن أداء المبنى مع تغير الظروف المناخية، وتطور التقنيات، وتغير توقعات السكان والمستثمرين.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث يمثل التبريد ما يقارب نصف ذروة الطلب على الكهرباء ونحو ربع الطلب السنوي على الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يجعل التصميم المستجيب للمناخ من الاعتبارات الأساسية مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة احتياجات التبريد.
لكن قدرة المبنى على التكيف لا تتعلق بالأداء التشغيلي وحده. فالمباني التي يمكن تجديدها أو إعادة تشكيلها أو إعادة استخدامها بمرور الوقت تكون في وضع أفضل للحفاظ على أهميتها، من دون الحاجة إلى استبدالها بالكامل. كما تساهم إعادة توظيف المباني القائمة في إطالة عمرها، والحفاظ على طابعها المعماري، وتقليل الأثر البيئي المرتبط بالبناء الجديد.
والنتيجة هي تعريف أوسع للقيمة. فالمبنى المصمم وفق مبادئ التجديد ليس مجرد مبنى مكتمل وجاهز للسكن عند تسليمه، بل مبنى صُمم ليواصل خدمة الناس، والاستجابة للظروف المتغيرة، والحفاظ على أهميته لعقود قادمة.
ومع تطور قطاع العقارات في الإمارات، قد لا يعود السؤال الأساسي هو: ما مدى استدامة المبنى؟ بل: ما الذي يمكن أن يضيفه المبنى إلى صحة الإنسان، والطبيعة، والمجتمع، وكيف يمكنه الاستمرار في تقديم هذه القيمة مع مرور الوقت؟
وهنا يكمن الفرق بين المبنى الذي يقلل أثره والمبنى الذي يساهم في خلق أثر إيجابي؛ وبين الاستدامة كهدف، والتجديد كنهج طويل الأمد للتطوير العقاري.

