عندما تتراجع المصانع، وترتفع الديون، وتشتد المنافسة.. هل يبقى الاتحاد الأوروبي كما نعرفه؟
بقلم محمد سلمان – رئيس التحرير
عندما أنظر اليوم إلى المشهد الاقتصادي الأوروبي، لا أرى مجرد أزمة عابرة يمكن علاجها بخفض أسعار الفائدة أو إطلاق حزمة إنفاق جديدة. ما أراه هو أزمة أعمق تمس النموذج الذي بنت عليه أوروبا جانباً كبيراً من ازدهارها طوال عقود.
السؤال لم يعد: هل تمر أوروبا بأزمة اقتصادية؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث إذا استمرت هذه الأزمة سنوات أخرى؟ وهل يمكن أن تتحول في النهاية إلى أزمة سياسية تهدد تماسك الاتحاد الأوروبي نفسه؟
لا أقول إن أوروبا تتجه حتماً إلى التفكك، فالبيانات لا تسمح بهذا الاستنتاج. لكن عندما تتزامن معدلات النمو الضعيفة، وارتفاع الديون، وتراجع تنافسية الصناعة، واتساع الفجوة التجارية مع الصين، والضغوط الأميركية على الصادرات الأوروبية، فمن الطبيعي أن نسأل: إلى أين تتجه القارة؟
ألمانيا.. ماذا حدث لمحرك أوروبا؟
إذا أردنا فهم المشكلة، فعلينا أن نبدأ من ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.
وفقاً للبنك المركزي الألماني، وصل الدين العام الألماني في نهاية 2025 إلى نحو 2.84 تريليون يورو، بما يعادل 63.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكنني لا أعتقد أن الدين هو أخطر ما تواجهه ألمانيا.
المشكلة الأكبر هي: هل ما زال النموذج الصناعي الألماني قادراً على العمل بالطريقة نفسها؟
ألمانيا بنت قوتها على السيارات والآلات والهندسة والكيماويات والتصدير. ولسنوات استفادت من سوق أوروبية كبيرة، وطلب صيني قوي، ووصول واسع إلى السوق الأميركية.
اليوم تغيرت المعادلة.
الصين التي كانت سوقاً ضخمة أصبحت منافساً مباشراً، والولايات المتحدة أصبحت أكثر تشدداً تجارياً، فيما ارتفعت تكاليف الطاقة والاستثمار داخل أوروبا.
النمو الألماني الضعيف خلال السنوات الأخيرة يعكس جزءاً من هذه المشكلة: فالاقتصاد لم يعد يتحرك بالقوة التي اعتاد عليها.
الصين.. من أكبر فرصة إلى أكبر منافس
هذا ربما يكون أهم تحول في القصة الأوروبية.
لسنوات طويلة نظرت الشركات الأوروبية إلى الصين باعتبارها سوقاً ضخمة لمنتجاتها.
لكن الصين تطورت بسرعة، واستثمرت في التكنولوجيا والصناعة وسلاسل الإمداد، ثم بدأت تنافس أوروبا في السيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات والآلات والطاقة المتجددة.
والأرقام هنا واضحة.
بحسب يوروستات، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين في 2025 نحو 199.6 مليار يورو، بينما وصلت وارداته منها إلى 559.4 مليار يورو، ما أدى إلى عجز تجاري يبلغ نحو 359.8 مليار يورو. كما تراجعت الصادرات الأوروبية إلى الصين 6.5%، بينما ارتفعت الواردات منها 6.4%.
وهنا أسأل:
إلى متى تستطيع قوة صناعية كبرى أن تستمر وهي تستورد بهذا الحجم من منافسها، بينما تتراجع قدرتها على البيع داخل سوقه؟
ألمانيا مع الصين.. رقم يصعب تجاهله
الحالة الألمانية أكثر وضوحاً.
تظهر بيانات مكتب الإحصاء الألماني أن ألمانيا استوردت من الصين في 2025 بضائع بقيمة 170.6 مليار يورو، بزيادة 8.8%، بينما انخفضت صادراتها إلى الصين إلى 81.3 مليار يورو، بتراجع 9.7%.
وبذلك ارتفع العجز التجاري الألماني مع الصين إلى 89.3 مليار يورو، مقابل 66.9 مليار يورو في العام السابق.
أي أن ألمانيا أصبحت تستورد من الصين أكثر من ضعف ما تصدره إليها تقريباً.
هذا لا يعني أن النموذج الألماني انهار، لكنه يعني أن أحد أهم مصادر قوته يتعرض لضغط متزايد.
فرنسا.. مشكلة مختلفة وأكثر حساسية
إذا كانت ألمانيا تواجه أساساً أزمة في النمو والتنافسية الصناعية، فإن فرنسا تواجه مشكلة مالية أكبر.
بحسب المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، بلغ الدين العام الفرنسي في نهاية 2025 نحو 3.46 تريليون يورو، أي 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي. كما بلغ العجز الحكومي 152.5 مليار يورو، أو 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
كيف تستطيع دولة بهذا الحجم من الدين أن تمول في الوقت نفسه الصحة والتعليم والدفاع والبنية التحتية والطاقة والتحول الصناعي والتكنولوجيا؟
كل دولة تستطيع الاقتراض.
لكن لا توجد دولة تستطيع الاقتراض بلا حدود.
ومع ارتفاع تكلفة خدمة الدين، يصبح الصراع داخل الموازنة أكثر وضوحاً: هل تذهب الأموال إلى الاستثمار أم الخدمات أم الدفاع أم الفوائد؟
المواطن لا يعيش داخل جدول اقتصادي
وهنا أعتقد أننا نخطئ عندما نحول الأزمة إلى نسب ومليارات فقط.
المواطن الأوروبي لا يستيقظ صباحاً ليسأل عن نسبة الدين إلى الناتج.
هو يسأل:
هل وظيفتي آمنة؟
هل المصنع الذي أعمل فيه سيظل موجوداً؟
هل راتبي يكفي؟
هل الضرائب سترتفع؟
وهل سيكون مستقبل أبنائي أفضل؟
وعندما يشعر المواطن بأن حياته لا تتحسن، يبدأ في البحث عن المسؤول.
الحكومة؟
بروكسل؟
الصين؟
أميركا؟
العولمة؟
وهنا تبدأ الأزمة الاقتصادية في التحول إلى أزمة ثقة سياسية.
أوروبا بين الصين وأميركا
المشكلة أن الضغط لا يأتي من الشرق فقط.
فأوروبا تواجه في الولايات المتحدة أيضاً سوقاً أكثر ميلاً إلى حماية الصناعة المحلية واستخدام الرسوم الجمركية والسياسات الصناعية.
وهكذا يجد المصنع الأوروبي نفسه أمام منافسة صينية قوية في أوروبا والعالم، وصعوبات أكبر في الصين، وشروط تجارية أكثر تشدداً في الولايات المتحدة.
فأين يجد النمو؟
وهذا ربما يكون أحد أهم الأسئلة التي ستحدد مستقبل الصناعة الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
هل تتحول أوروبا إلى سوق للآخرين؟
هذا هو الخطر الذي أراه أكبر من الدين نفسه.
أوروبا ستظل سوقاً ضخمة وغنية، لكن السوق الكبيرة وحدها لا تصنع قوة اقتصادية.
القوة تأتي من أن تنتج ما يشتريه الآخرون.
أن تمتلك المصانع والتكنولوجيا والملكية الفكرية والشركات العالمية.
إذا أصبحت أوروبا تستورد المزيد من السيارات والبطاريات والإلكترونيات والتكنولوجيا بينما تتراجع قدرتها على إنتاجها، فإن المشكلة لن تكون مجرد عجز تجاري.
ستصبح المشكلة: كيف تمول أوروبا مستوى المعيشة المرتفع الذي اعتاده مواطنوها إذا كانت قاعدتها الصناعية تضعف؟
وهل الصين مسؤولة وحدها؟
لا.
سيكون من السهل تحميل الصين كل المسؤولية، لكنه لن يكون دقيقاً.
فالصين استثمرت بكثافة في الصناعة والبنية التحتية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وأوروبا لديها أيضاً مشكلاتها الداخلية: ارتفاع التكاليف، وبطء بعض الإجراءات، وضعف الاستثمار في مجالات معينة، وتأخرها عن الولايات المتحدة والصين في بعض قطاعات التكنولوجيا المتقدمة.
ولهذا فإن أوروبا لا تستطيع انتظار أن تتغير الصين.
عليها هي أن تتغير أيضاً.
وماذا لو استمرت هذه الظروف عشر سنوات؟
هذه هي النقطة التي تثير قلقي أكثر.
أوروبا تستطيع تحمل سنة ضعيفة أو سنتين.
لكن ماذا لو استمر النمو البطيء لعقد كامل؟
ماذا لو ارتفع الدين أكثر؟
وماذا لو واصلت الصناعة فقدان حصتها؟
وماذا لو احتاجت الحكومات في الوقت نفسه إلى إنفاق أكبر على الدفاع والطاقة والتكنولوجيا؟
من سيدفع؟
دافع الضرائب؟
الشركات؟
الأجيال المقبلة؟
أم الدول الأكثر ثراءً داخل الاتحاد؟
هنا يمكن أن تبدأ الخلافات الاقتصادية في التحول إلى خلافات سياسية بين الدول نفسها.
هل يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي سيتفكك؟
ليس بالضرورة.
فالأسواق والمؤسسات والمصالح الاقتصادية بين دول الاتحاد متشابكة بدرجة تجعل الانفصال مكلفاً للغاية.
لكن التماسك السياسي يكون أسهل عندما ينمو الاقتصاد ويشعر المواطنون بأن حياتهم تتحسن.
ويصبح أصعب عندما يكون النمو ضعيفاً والديون مرتفعة والوظائف الصناعية تحت الضغط.
وهذا هو جوهر المشكلة.
أوروبا لا تواجه أزمة ديون فقط، بل أزمة نموذج اقتصادي.
العالم الذي صنع ازدهارها تغير.
الصين أصبحت أقوى.
أميركا أصبحت أكثر حمائية.
الطاقة أصبحت قضية استراتيجية.
والذكاء الاصطناعي والبطاريات وأشباه الموصلات أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي.
فهل أوروبا في طريقها إلى التفكك؟
لا توجد اليوم أرقام تسمح لي بأن أقول ذلك.
لكن توجد أسباب كافية للقول إن القارة أمام واحد من أصعب اختبارات مشروعها الاقتصادي والسياسي.
السؤال ليس: هل ستسقط أوروبا؟
السؤال هو:
هل تستطيع تغيير نموذجها الاقتصادي بالسرعة الكافية قبل أن يتحول ضعف النمو وتراجع الصناعة وارتفاع الدين إلى أزمة ثقة أعمق؟
إذا نجحت، فقد تصبح الأزمة الحالية بداية ولادة نموذج أوروبي جديد.
أما إذا استمرت الضغوط نفسها لعقد آخر، فقد يبدأ المواطن الأوروبي في طرح سؤال أخطر:
ما الذي أحصل عليه فعلياً من هذا النظام؟
وعندما يتحول هذا السؤال إلى سؤال جماعي، لن يبقى النقاش اقتصادياً فقط.
عندها سيصبح النقاش حول مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه.

