من تحويل الزئبق الى ذهب الى عصر الاحتمالات العلمية المفتوحة –
منذ أيام، توقفت عند خبر علمي لافت يتحدث عن إمكانية تحويل الزئبق إلى ذهب باستخدام تقنيات مرتبطة بالفيزياء النووية والاندماج.
في البداية يبدو الأمر أقرب إلى واحدة من تلك القصص التي كنا نقرأها عن الخيميائيين ومحاولاتهم القديمة لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب. لكنني، كلما فكرت في الموضوع أكثر، وجدت أن القضية الحقيقية ليست الذهب ولا الزئبق.
القضية هي: إلى أين يمكن أن يصل الإنسان خلال السنوات المقبلة إذا اجتمعت الفيزياء المتقدمة مع الذكاء الاصطناعي والحوسبة والروبوتات والطاقة الجديدة؟
هذا هو السؤال الذي أراه أهم بكثير من الخبر نفسه.
فنحن نعيش مرحلة تتغير فيها حدود الممكن بسرعة غير مسبوقة، وأشياء كثيرة اعتدنا أن نضعها في خانة المستحيل بدأت تنتقل بهدوء إلى خانة «الممكن علمياً»، ثم ربما لاحقاً إلى «الممكن اقتصادياً».
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
قد يكون الشيء ممكناً في مختبر، لكنه يحتاج إلى ملايين الدولارات لإنتاج غرام واحد منه. في هذه الحالة يظل إنجازاً علمياً وليس صناعة.
لكن التاريخ يعلمنا شيئاً مهماً: كثير من التقنيات التي أصبحت اليوم جزءاً عادياً من حياتنا بدأت بالطريقة نفسها.
الحاسوب كان في يوم من الأيام جهازاً ضخماً لا تملكه إلا الحكومات والجامعات الكبرى.
الهاتف المحمول كان سلعة باهظة الثمن ومحدودة الاستخدام.
والذكاء الاصطناعي نفسه كان، قبل سنوات قليلة، مجالاً متخصصاً يتحدث عنه الباحثون، بينما أصبح اليوم أداة يستخدمها ملايين البشر يومياً.
لذلك عندما نسمع اليوم عن إمكانية تحويل عنصر إلى آخر، ربما لا ينبغي أن نسأل فقط: هل هذا ممكن الآن؟
ربما علينا أن نسأل: ماذا لو أصبح ممكناً بعد عشرين عاماً؟
الذهب مجرد مثال
الذهب في هذه القصة ليس سوى مثال.
قيمته التاريخية بنيت على مجموعة من العوامل، أهمها الندرة وصعوبة الاستخراج ومحدودية الكميات التي يمكن إضافتها إلى السوق كل عام.
لكن ماذا يحدث إذا أصبحت الندرة نفسها قابلة للتدخل التكنولوجي؟
ماذا لو أصبح بإمكاننا، في المستقبل، إنتاج مواد كنا نعتقد أنها لا تأتي إلا من المناجم؟
ماذا لو استطعنا تصميم بدائل أفضل من بعض المواد الطبيعية؟
وماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على البحث في ملايين التركيبات الكيميائية والفيزيائية حتى يصل إلى مادة تمتلك الصفات التي نريدها؟
عندها لن تكون المسألة مجرد اكتشاف مادة جديدة.
سنكون أمام تغيير حقيقي في مفهوم الموارد.
من البحث عن المادة إلى تصميمها
الإنسان، منذ بداية الحضارة، يبحث في الطبيعة عما يحتاجه.
وجد الحديد فتعلم استخدامه.
اكتشف النفط فبنى حوله اقتصاداً عالمياً.
بحث عن النحاس والذهب والليثيوم والعناصر النادرة، ثم أصبحت بعض الدول أكثر أهمية لأنها تمتلك هذه الموارد.
لكنني أعتقد أن المستقبل قد يسير في اتجاه مختلف.
بدلاً من أن نقول: أين نجد المادة التي نحتاج إليها؟
قد يصبح السؤال:
ما مواصفات المادة التي نريدها؟
نريد مادة خفيفة مثل الألمنيوم، قوية مثل الفولاذ، تتحمل الحرارة، لا تصدأ، وتوصل الكهرباء بكفاءة.
بعد ذلك يبدأ الذكاء الاصطناعي في البحث بين ملايين الاحتمالات عن التركيبة المناسبة.
وهذا ليس خيالاً أدبياً بالكامل. الاتجاه موجود بالفعل، لكن ما يهمني هنا هو ما يمكن أن يحدث عندما تصبح هذه القدرات أسرع بعشرات أو مئات المرات.
المشكلة لم تعد في الأفكار فقط
لطالما كانت لدى العلماء أفكار كثيرة.
المشكلة كانت الوقت.
كم تجربة يستطيع فريق بحثي تنفيذها؟
كم مركباً يمكن تحليله؟
كم احتمالاً يمكن دراسته؟
القدرة البشرية محدودة مهما بلغ ذكاء الباحث.
لكن الذكاء الاصطناعي لا ينظر إلى المسألة بالطريقة نفسها.
يمكنه تحليل أعداد ضخمة من الاحتمالات، واستبعاد غير المناسب منها، وتوجيه الباحث نحو عدد صغير من الخيارات الأكثر وعداً.
ثم نضيف الروبوتات إلى المعادلة.
روبوت ينفذ التجربة.
أجهزة قياس تحلل النتيجة.
ذكاء اصطناعي يقرأ البيانات.
ثم يقترح التجربة التالية.
وتبدأ العملية من جديد.
في المستقبل، قد يعمل المختبر 24 ساعة في اليوم دون توقف، ويجرب آلاف المسارات التي كان الباحث يحتاج إلى سنوات لاختبار جزء صغير منها.
هنا تحديداً أرى أننا أمام تغير حقيقي في سرعة التطور العلمي.
ماذا يحدث إذا اجتمعت كل هذه التقنيات؟
كل تقنية منفردة مهمة.
لكن الأكثر أهمية هو اجتماعها.
الذكاء الاصطناعي يسرّع البحث.
الحوسبة المتقدمة تسرّع المحاكاة.
الروبوتات تسرّع التجارب.
تقنيات الطاقة الجديدة قد توفر كميات أكبر من الطاقة.
الفيزياء النووية تفتح إمكانات في التعامل مع المادة على مستوى مختلف تماماً.
وعندما تبدأ هذه التقنيات في تغذية بعضها بعضاً، تصبح وتيرة التطور أسرع.
الذكاء الاصطناعي يساعد على تطوير مواد جديدة لمفاعلات الطاقة.
الطاقة الأرخص توفر قدرة حوسبة أكبر.
الحوسبة الأكبر تطور نماذج ذكاء اصطناعي أقوى.
والذكاء الاصطناعي الأقوى يعود ليطور التكنولوجيا نفسها.
هذه الدائرة هي التي تستحق أن نتوقف عندها.
هل تصبح الموارد الطبيعية أقل أهمية؟
ربما يبدو هذا السؤال مبالغاً فيه اليوم، لكنني أراه سؤالاً مشروعاً.
جزء كبير من قوة الدول الاقتصادية والجيوسياسية جاء من الموارد الطبيعية التي تمتلكها.
النفط.
الغاز.
الذهب.
النحاس.
المعادن النادرة.
لكن ماذا لو أصبح من الممكن إنتاج بدائل لبعض هذه المواد أو تقليل الاعتماد عليها؟
لا أتوقع أن تختفي أهمية الموارد الطبيعية، لكن من الممكن جداً أن تتغير قيمتها النسبية.
وربما تصبح الدولة التي تمتلك العلماء ومراكز البحث والذكاء الاصطناعي والطاقة والحوسبة أكثر قدرة على صنع ثروتها من الدولة التي تمتلك الموارد وحدها.
وهذا، في رأيي، واحد من أهم التحولات التي يجب أن تستعد لها الدول النامية من الآن.
الثروة الجديدة هي القدرة على اكتشاف الاحتمالات
كنت دائماً أعتقد أن البحث العلمي ليس رفاهية، وكلما تابعنا ما يحدث اليوم أزداد اقتناعاً بذلك.
الدولة التي تنفق على مراكز البحث لا تشتري أجهزة ومختبرات فقط.
هي تشتري احتمالات.
احتمال اكتشاف مادة.
احتمال تطوير دواء.
احتمال تحسين صناعة.
احتمال خفض استهلاك الطاقة.
احتمال حل مشكلة مياه.
احتمال إنشاء قطاع اقتصادي كامل لم يكن موجوداً من قبل.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي تصبح قيمة هذه الاحتمالات أكبر، لأن قدرتنا على اختبارها أصبحت أسرع.
وهنا أرى أن هناك مفهوماً اقتصادياً جديداً يجب أن نفكر فيه:
القدرة على استكشاف الاحتمالات نفسها ستصبح أصلاً اقتصادياً.
ماذا بعد الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم؟
نحن اليوم منبهرون بقدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة مقال أو إنشاء صورة أو تحليل مستند.
لكن هذه التطبيقات، رغم أهميتها، ربما تكون مجرد البداية.
التأثير الأكبر لن يكون عندما يكتب الذكاء الاصطناعي النصوص بدلاً منا.
التأثير الأكبر سيحدث عندما يساعد في اكتشاف دواء لم يكن موجوداً، أو مادة لم نكن نعرف أنها ممكنة، أو تصميم صناعي لم يخطر على ذهن مهندس، أو حل فيزيائي لمسألة ظل العلماء يعملون عليها لعقود.
عندها سنكون أمام مرحلة مختلفة تماماً.
لكن علينا ألا ننخدع بالخيال
الحماس ضروري، لكنه لا يجب أن يلغي الواقعية.
ليس كل ما تقترحه النماذج قابلاً للتنفيذ.
وليس كل ما ينجح في المختبر قابلاً للتصنيع.
وليس كل ما يمكن تصنيعه يمكن بيعه بسعر اقتصادي.
قوانين الفيزياء ستظل موجودة.
وقوانين الاقتصاد ستظل موجودة أيضاً.
لكن ما يتغير هو المسافة بين الفكرة والتجربة.
هذه المسافة تتقلص.
وعندما تتقلص بسرعة، تصبح الاحتمالات أكبر.
ماذا لو أصبح المستحيل مجرد مسألة تكلفة؟
هذه الفكرة هي أكثر ما يشغلني.
ربما نصل إلى مرحلة لا نقول فيها عن بعض الأشياء إنها مستحيلة، وإنما نقول إنها مكلفة جداً.
ثم يأتي العلم ويخفض التكلفة.
وهذا ما حدث مراراً.
الطاقة الشمسية مثال.
الحوسبة مثال.
الاتصالات مثال.
تخزين البيانات مثال.
والذكاء الاصطناعي نفسه مثال واضح.
أشياء كان الوصول إليها يتطلب ميزانيات ضخمة أصبحت متاحة على هاتف صغير نحمله في جيبنا.
فماذا سيحدث إذا تكرر ذلك في علوم المواد والطاقة والفيزياء؟
من يملك المستقبل؟
في رأيي، المستقبل لن يكون فقط لمن يمتلك النفط أو المعادن أو الأراضي أو المصانع.
سيكون بدرجة متزايدة لمن يمتلك العقل القادر على إعادة تعريف استخدام هذه الموارد.
من يمتلك الجامعة القوية.
المختبر.
الباحث.
البيانات.
الحوسبة.
الطاقة.
والذكاء الاصطناعي.
ومن يستطيع أن يجمع هذه العناصر في منظومة واحدة.
ولهذا، عندما أقرأ خبراً عن محاولة تحويل الزئبق إلى ذهب، لا يشغلني كثيراً عدد الغرامات التي تم إنتاجها.
ما يشغلني أكثر هو الرسالة التي تحملها التجربة.
أننا ندخل عصراً قد يصبح فيه عدد متزايد من المسلمات القديمة قابلاً للمراجعة.
وقد تصبح فيه المادة نفسها شيئاً نستطيع أن نصممه ونعيد تشكيله بدرجات لم تكن متاحة لنا من قبل.
ربما لن نصنع الذهب بكميات تهدد مناجمه غداً، وربما لا يحدث ذلك أبداً بصورة اقتصادية.
لكن المؤكد أن العلوم تتحرك باتجاه يوسع مساحة الممكن كل يوم.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس:
هل يمكن تحويل الزئبق إلى ذهب؟
بل:
ماذا يمكن أن نصنع عندما تصبح قوة الذكاء الاصطناعي في خدمة الفيزياء والكيمياء والطاقة والبحث العلمي؟
الإجابة، على الأرجح، ستكون أكبر بكثير من الذهب.
بقلم: محمد سلمان
رئيس التحرير

