محاولات التجارة بالعملات المحلية تتوسع.. لكن من يملأ الفراغ إذا تراجع دور العملة الأميركية؟
لعب الدولار الأميركي لعقود دوراً يتجاوز كونه عملة دولة واحدة. لقد أصبح عملياً اللغة المشتركة التي يتعامل بها جزء كبير من الاقتصاد العالمي.
فحين تتعامل دولتان لا توجد بين عملتيهما سوق عميقة ومباشرة، يكون الدولار في كثير من الأحيان هو العملة الوسيطة. تبيع العملة الأولى مقابل الدولار، ثم يُحوّل الدولار إلى العملة الثانية. وهذا لا يحدث لأن هناك قانوناً دولياً يفرض الدولار، وإنما لأن الأسواق بنت حوله طوال عقود شبكة ضخمة من السيولة والثقة والبنوك والأصول والديون والعقود.
بحسب بنك التسويات الدولية، يدخل الدولار في أحد طرفي نحو 90% من معاملات سوق الصرف الأجنبي العالمية، كما يتم تسعير نحو نصف التجارة العالمية تقريباً بالدولار.
وهنا تكمن القوة الحقيقية للدولار.
فهو ليس مجرد احتياطي في خزائن البنوك المركزية، بل هو أيضاً وحدة حساب ووسيلة دفع وعملة تمويل وتسعير وملاذ مالي في الوقت نفسه.
لماذا اختار العالم الدولار؟
بعد الحرب العالمية الثانية، عزز نظام بريتون وودز موقع الدولار في قلب النظام النقدي الدولي. وحتى بعد انتهاء ارتباط الدولار بالذهب، بقيت العملة الأميركية في المركز.
السبب لم يكن سياسياً فقط.
فالاقتصاد الأميركي ضخم، وأسواق رأس المال الأميركية عميقة وذات سيولة عالية، وسندات الخزانة الأميركية توفر مخزوناً هائلاً من الأصول التي يمكن للبنوك المركزية والمستثمرين شراؤها وبيعها بسهولة.
وبحسب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لا يزال الدولار العملة الأكثر استخداماً في التجارة العالمية، كما يشكل نحو نصف المدفوعات الدولية المسجلة عبر نظام SWIFT، ونحو 55% من المطالبات المصرفية الدولية و60% من الالتزامات المصرفية الدولية.
هذه الشبكة هي التي تجعل التخلص من الدولار أصعب بكثير من مجرد إعلان سياسي.
ولكن هناك محاولة حقيقية لتقليل الاعتماد عليه
خلال السنوات الأخيرة، بدأت دول عديدة تبحث بصورة أكثر جدية عن طرق لتقليل اعتمادها على الدولار.
بعضها يفعل ذلك لأسباب اقتصادية.
وبعضها لأسباب سياسية.
وبعضها لأنه لا يريد أن تبقى تجارته الدولية معرضة بالكامل للنظام المالي الأميركي والعقوبات الأميركية.
فبدأنا نرى اتفاقيات لتسوية التجارة مباشرة بالعملات المحلية، مثل اليوان والروبل والروبية والدرهم وغيرها.
والفكرة من حيث المبدأ بسيطة:
إذا كانت دولة تستورد من دولة أخرى بشكل منتظم، فلماذا تمر الصفقة أولاً بالدولار؟
لماذا لا يدفع المستورد مباشرة بعملة المصدر أو بعملة محلية متفق عليها؟
هذا ممكن بالفعل.
بل وقد يكون منطقياً في بعض الحالات.
لكن السؤال هو: هل يصلح هذا كنظام عالمي؟
المشكلة تبدأ عندما لا تكون التجارة متوازنة
لنفترض أن دولة “أ” تستورد من دولة “ب” بضائع بقيمة عشرة مليارات، بينما الدولة “ب” تستورد من “أ” بضائع بقيمة ملياري دولار فقط.
إذا اتفقت الدولتان على استخدام عملتيهما المحليتين، فستتراكم لدى الدولة “ب” كميات كبيرة من عملة الدولة “أ”.
ماذا ستفعل بها؟
إذا لم تكن هناك أسواق مالية كبيرة تستوعب هذه العملة، أو أصول سائلة يمكن الاستثمار فيها، أو تجارة كافية يمكن استخدامها فيها، فإنها تصبح أقل جاذبية.
هنا تظهر ميزة الدولار.
الدولة التي تحصل على الدولار تستطيع استخدامه تقريباً في أي مكان في العالم.
وتستطيع شراء النفط.
أو السندات.
أو التكنولوجيا.
أو تحويله إلى أي عملة رئيسية تقريباً بسهولة.
وهذه المرونة ليست متوافرة بنفس الدرجة في معظم العملات الأخرى.
وماذا عن المقايضة؟
يمكن للدول العودة إلى شكل من أشكال التبادل القديم: سلعة مقابل سلعة.
نفط مقابل معدات.
غذاء مقابل أسمدة.
مواد خام مقابل تكنولوجيا.
قد تنجح هذه الطريقة في صفقات محددة، وخصوصاً عندما تكون الدول تحت قيود مالية أو عقوبات.
لكنها ليست بديلاً عملياً لنظام نقدي عالمي.
السبب بسيط.
كيف تحدد القيمة؟
إذا أرسلت دولة مليون برميل نفط مقابل مجموعة من الطائرات أو المعدات، فإنك تحتاج في النهاية إلى مرجع سعري مشترك حتى تعرف ما إذا كانت الصفقة متوازنة.
وحتى عندما تتم المقايضة، كثيراً ما يتم تقييم الطرفين داخلياً بالدولار أو بعملة دولية أخرى.
أي أننا عدنا مرة أخرى إلى العملة باعتبارها وحدة قياس للقيمة.
الدولار يشبه “المتر” في الاقتصاد العالمي
ربما تكون أفضل طريقة لفهم أهمية الدولار هي النظر إليه كأداة قياس.
العالم يستخدم المتر لقياس الطول والكيلوغرام لقياس الوزن، ليس لأن بقية الوحدات مستحيلة، بل لأن وجود معيار مشترك يجعل المقارنة أسهل.
الدولار لعب إلى حد كبير هذا الدور في الاقتصاد العالمي.
برميل النفط.
طن النحاس.
الذهب.
الشحن.
الكثير من الديون الدولية.
كلها تستطيع الأسواق مقارنتها والتعامل معها بسهولة لأن هناك وحدة مشتركة واسعة الاستخدام.
وإذا تخلينا عن هذه الوحدة من دون وجود بديل واضح، فإننا لا نلغي التكلفة.
بل قد نضيف تكاليف جديدة ناتجة عن التحويل والتحوط واختلاف أسعار الصرف.
ومع ذلك.. حصة الدولار تراجعت في الاحتياطيات
هذا لا يعني أن الدولار لم يفقد شيئاً من هيمنته.
بحسب صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية نحو 57.13% في الربع الأول من 2026.
وهذه النسبة أقل بكثير مما كانت عليه قبل عقود.
لكن هناك نقطة مهمة جداً.
تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات لا يعني بالضرورة أن عملة أخرى حلت محله.
فاليوان الصيني، على سبيل المثال، لا يزال يمثل نسبة صغيرة نسبياً من الاحتياطيات العالمية.
وفي نهاية 2025، بحسب صندوق النقد الدولي، بلغت حصة اليوان نحو 1.95% فقط من الاحتياطيات المعلنة.
إذن ما نراه حتى الآن هو تنويع تدريجي بعيداً عن الدولار، وليس استبدال الدولار بعملة عالمية جديدة.
لماذا لا يحل اليوان محل الدولار بسهولة؟
الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر دولة تجارية في السلع، لذلك من الطبيعي أن يسأل البعض: لماذا لا يصبح اليوان بديلاً؟
المشكلة أن العملة العالمية تحتاج أكثر من اقتصاد كبير.
تحتاج إلى حرية حركة رأس المال.
وإمكانية واسعة لتحويل العملة.
وأسواق مالية ضخمة وعميقة.
وأصول آمنة تستطيع البنوك المركزية الاحتفاظ بها بأحجام كبيرة.
وثقة بأن المستثمر يستطيع الدخول والخروج من السوق بحرية.
وبحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي، بلغ مؤشر الاستخدام الدولي للدولار نحو 64.9 في 2024، مقابل 23.9 لليورو و3.1 فقط لليوان الصيني، رغم أن الصين تمثل حصة كبيرة من الاقتصاد والتجارة العالميين.
وهذه فجوة هائلة.
إذن هل تفشل محاولات الاستغناء عن الدولار؟
ليس بالضرورة.
أنا أعتقد أن الخطأ يكمن في النظر إلى الأمر على أنه خياران فقط:
إما الدولار يسيطر بنسبة 100%.
أو الدولار يختفي.
الواقع سيكون أكثر تعقيداً.
من المرجح أن تستمر التجارة الثنائية بالعملات المحلية في التوسع.
وسيستخدم اليوان أكثر في آسيا والتجارة الصينية.
وسيظل اليورو مهماً في أوروبا ومحيطها.
وقد تلعب العملات الرقمية والعملات المستقرة دوراً أكبر في المدفوعات العابرة للحدود.
لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الدولار.
بل قد يعني الانتقال من نظام شديد التركيز حول الدولار إلى نظام أكثر تعدداً للعملات.
المفارقة: حتى العملات الرقمية قد تقوي الدولار
هناك جانب آخر يستحق الانتباه.
البعض يرى أن العملات الرقمية قد تكون وسيلة للهروب من الدولار.
لكن الواقع قد يكون عكس ذلك في بعض الحالات.
فجزء كبير من العملات المستقرة المستخدمة عالمياً مرتبط بالدولار.
أي أن التكنولوجيا الجديدة قد تغير طريقة نقل الدولار من شخص إلى آخر، لكنها لا تغير بالضرورة وحدة الحساب نفسها.
ولهذا أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى أن الدولار لا يزال العملة المهيمنة كمرساة للعملات المستقرة.
ماذا يحدث لو تراجع الدولار فعلاً؟
هنا يصبح الموضوع أكثر تعقيداً.
قد تستفيد بعض الدول من تقليل اعتمادها على النظام المالي الأميركي، وتخفض تعرضها للعقوبات أو لتقلبات الدولار.
لكن في المقابل، قد يفقد العالم جزءاً من البساطة التي وفرها وجود عملة مشتركة واسعة الاستخدام.
قد تصبح التجارة الدولية أكثر تجزؤاً.
كتلة تستخدم الدولار.
كتلة تستخدم اليوان.
منطقة تعتمد اليورو.
ودول تستخدم ترتيبات ثنائية مختلفة.
قد يبدو ذلك أكثر استقلالية سياسياً، لكنه قد يكون أكثر تكلفة وأقل كفاءة اقتصادياً.
الدولار لم يصبح عالمياً بقرار.. ولذلك لن يختفي بقرار
وهذه في رأيي أهم نقطة.
الدولار لم يصبح العملة الرئيسية في العالم لأن الولايات المتحدة أعلنت ذلك وحدها.
أصبح كذلك لأن ملايين الشركات والبنوك والمستثمرين والحكومات اختاروه على مدى عقود باعتباره العملة الأكثر سيولة وقابلية للاستخدام.
ولذلك لن ينتهي دوره ببيان سياسي أو اتفاق بين دولتين.
حتى تستبدل الدولار، لا يكفي أن تقول: “لن نستخدم الدولار بعد اليوم”.
عليك أن تقدم بديلاً يستطيع العالم استخدامه بالسهولة نفسها.
عملة يمكن استخدامها في التجارة.
وفي الديون.
وفي البنوك.
وفي الاحتياطيات.
وفي الاستثمار.
وفي الأزمات.
وهذا البديل لم يظهر بعد.
هل سيبقى الدولار إلى الأبد؟
بالتأكيد لا توجد عملة تضمن لنفسها الهيمنة إلى الأبد.
الجنيه الإسترليني كان في يوم من الأيام العملة الدولية الأولى، ثم انتقل المركز إلى الدولار.
وقد يأتي يوم تتغير فيه المعادلة مرة أخرى.
لكن حتى الآن، رغم توسع الحديث عن “إزالة الدولرة”، تشير الأرقام إلى شيء واضح:
الدولار يتعرض لتحديات، لكنه لا يزال بعيداً جداً عن فقدان مركزه الأساسي في النظام المالي العالمي.
وربما يكون السؤال الصحيح ليس:
هل يستطيع العالم الاستغناء عن الدولار؟
بل:
ما العملة أو النظام الذي يستطيع أن يقدم للعالم ما يقدمه الدولار اليوم، وبتكلفة وثقة وسيولة مماثلة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة كاملة على هذا السؤال.
بقلم محمد سلمان – رئيس التحرير

