حين يحقق ابتكار علمي إماراتي اعترافاً عالمياً ببراءة اختراع في مجال متقدم مثل الطب التجديدي، فإن أهمية الإنجاز لا تقف عند حدود الباحث أو الفريق الذي يقف خلفه، بل تمتد إلى ما يمثله من مؤشر على قدرة الدولة على الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى المساهمة في تطويرها وصناعتها.
الإمارات تمتلك اليوم كثيراً من المقومات التي تدعم هذا التحول: جامعات متقدمة، مستشفيات ومراكز بحثية، شركات كبرى، بنية تحتية قوية، وقدرة على استقطاب الكفاءات من مختلف أنحاء العالم. لذلك فإن التحدي الحقيقي لم يعد في توافر العقول، بل في توفير البيئة التي تسمح لهذه الكفاءات بالبحث والتجربة والتطوير وتحويل أفكارها إلى منتجات وشركات وتقنيات قابلة للتطبيق التجاري.
البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل استثمار طويل الأجل. فاختراع واحد ناجح في الطب أو الطاقة أو المواد المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى صناعة كاملة، ويخلق شركات ووظائف وأسواقاً جديدة.
والطب التجديدي مثال واضح على ذلك. نحن أمام مجال يمكن أن يفتح أبواباً واسعة لتطوير علاجات وتقنيات جديدة، ولذلك فإن أي نجاح محلي فيه يجب أن يُنظر إليه باعتباره بذرة لصناعة مستقبلية وليس مجرد إنجاز علمي منفصل.
المشكلة في كثير من الدول ليست نقص الباحثين، بل ما يحدث بعد ظهور الفكرة. من يمول البحث؟ أين يتم الاختبار؟ كيف تُحمى الملكية الفكرية؟ ومن يساعد الباحث على الانتقال من المختبر إلى السوق؟
لهذا نحتاج إلى جسور أقوى بين الجامعات ومراكز الأبحاث من جهة، والشركات والمصانع والمستثمرين من جهة أخرى. فالجامعة يجب ألا تعمل بعيداً عن احتياجات الاقتصاد، كما أن الشركات لا ينبغي أن تبقى معتمدة دائماً على شراء التكنولوجيا من الخارج.
وعندما يقول المصنع للجامعة: لدينا هذه المشكلة ونحتاج إلى حل، وتقول الجامعة للمستثمر: لدينا هذا الابتكار ونحتاج إلى تطويره، تبدأ هنا الدورة الحقيقية للاقتصاد القائم على المعرفة.
كما أن براءة الاختراع يجب ألا تكون نهاية الطريق. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول البراءة إلى دواء أو جهاز أو تقنية أو شركة أو خط إنتاج. وهذا يتطلب صناديق تمويل متخصصة، وحاضنات علمية، ومختبرات مشتركة، وبرامج تساعد الباحثين على تأسيس شركات مبنية على ابتكاراتهم.
هناك أيضاً قطاعات يجب أن تحظى بأولوية بحثية أكبر، مثل الصحة، المياه، الأمن الغذائي، الطاقة النظيفة، الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، المواد المتقدمة وتقنيات البناء والتبريد. فكل ابتكار محلي في هذه المجالات يعزز في الوقت نفسه الاقتصاد وقدرة الدولة على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا.
نجاح باحث واحد مهم، لكن الأهم أن نخلق منظومة تنتج عشرات ومئات الباحثين والابتكارات سنوياً.
الإمارات أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على تحقيق قفزات كبيرة عندما تختار قطاعاً استراتيجياً وتوفر له البيئة المناسبة. واليوم، فإن إحدى أهم القفزات المطلوبة هي الانتقال من اقتصاد يستخدم التكنولوجيا إلى اقتصاد يشارك في ابتكارها وصناعتها وتصديرها.
الابتكار الإماراتي في الطب التجديدي رسالة واضحة: الكفاءات موجودة.
وما تحتاجه هذه الكفاءات هو الدعم، والتمويل، والمختبر، والشراكة الصناعية، والحماية القانونية، والطريق إلى السوق.
لأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ دائماً من فكرة.

