بين جمود التشريعات وبيروقراطية المجالس.. الحل يبدأ من الأتمتة والقرار السريع
كلما تابعت الاقتصاد اللبناني، أعود إلى القناعة نفسها: لبنان لا تنقصه الفرص بقدر ما تنقصه سرعة القرار وحسن الإدارة.
لدينا قطاع خاص مرن، وكفاءات ناجحة في الداخل والخارج، وانتشار واسع للمغتربين، وموقع قادر على خدمة قطاعات عديدة. لكن في المقابل، لدينا منظومة إدارية وتشريعية بطيئة قادرة على استهلاك الفرصة قبل أن تتحول إلى استثمار.
في لبنان، يمكن لمعاملة واحدة أن تمر على أكثر من دائرة، وأكثر من توقيع، وأكثر من مجلس أو لجنة، حتى يصبح الوقت نفسه تكلفة إضافية على المواطن والمستثمر.
وهنا لا تعود البيروقراطية مسألة إدارية فقط، بل تتحول إلى عائق اقتصادي مباشر.
المستثمر لا يستطيع الانتظار أشهراً للحصول على موافقة، والشركة لا يمكنها التخطيط إذا كانت لا تعرف متى تنتهي معاملتها، والمواطن لا يجب أن يحتاج إلى وساطة لإنجاز حق إداري بسيط.
ومن هنا أرى أن أحد أبرز الحلول ليس إنشاء مجلس جديد أو لجنة جديدة، بل العكس تماماً:
الأتمتة.
الأتمتة ليست رفاهية
إنجاز المعاملات إلكترونياً يجب أن يصبح القاعدة، لا الاستثناء.
طلب الترخيص إلكترونياً.
دفع الرسوم إلكترونياً.
متابعة الملف إلكترونياً.
معرفة أين وصلت المعاملة ومن المسؤول عنها.
وتحديد مهلة زمنية واضحة لكل إجراء.
عندما تصبح المعاملة رقمية، تقل الحاجة إلى الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتنخفض مساحة الاجتهاد الشخصي، وتصبح كل خطوة مسجلة وقابلة للمتابعة والمحاسبة.
وهذا، في رأيي، من أكثر الأدوات فاعلية في الحد من الفساد الإداري والوساطة والرشوة.
فالفساد يجد بيئته الطبيعية في الغموض، وطول الإجراءات، وعدم معرفة المواطن أين وصلت معاملته.
أما النظام الإلكتروني فيجعل المسار واضحاً.
من استلم؟
متى استلم؟
ماذا فعل؟
ولماذا تأخر؟
الوقت مورد اقتصادي
نحن نتحدث كثيراً عن خسارة الأموال، لكن لبنان يخسر مورداً آخر لا يقل أهمية:
الوقت.
وقت المستثمر.
وقت المؤسسة.
وقت المواطن.
ووقت الدولة نفسها.
في الاقتصاد الحديث، السرعة ميزة تنافسية.
الدولة التي تمنح الترخيص خلال أيام تتفوق على الدولة التي تحتاج إلى أشهر.
والدولة التي توفر نافذة إلكترونية موحدة أكثر جاذبية من دولة تجعل المستثمر يتنقل بين خمس إدارات.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من التعقيد
المطلوب، برأيي، واضح:
تبسيط القوانين.
إلغاء الإجراءات غير الضرورية.
توحيد الجهات المتداخلة.
وضع مهل ملزمة للرد على المعاملات.
ورقمنة أكبر عدد ممكن من خدمات الدولة.
كما يجب أن يكون لكل طلب رقم متابعة، ولكل إجراء مدة محددة، ولكل رفض سبب واضح ومكتوب.
بهذا فقط يمكن الانتقال من الإدارة القائمة على العلاقات الشخصية إلى إدارة قائمة على النظام.
دولة تقول للمواطن: أنجز معاملتك من مكانك
أتصور أن أحد أهم مؤشرات نجاح أي إصلاح إداري في لبنان سيكون عندما يستطيع المواطن أو المستثمر إنجاز معاملته من هاتفه أو جهاز الكمبيوتر من دون أن يضطر إلى زيارة الإدارة إلا في الحالات الضرورية.
هذه ليست مسألة تقنية.
إنها إصلاح اقتصادي وإداري في الوقت نفسه.
وهي أيضاً وسيلة لاستعادة الثقة بالدولة.
الاقتصاد يحتاج إلى قرار لا إلى انتظار
لبنان لا يفتقر إلى الدراسات والخبراء والخطط.
المشكلة الأساسية هي الانتقال من الكلام إلى التنفيذ.
ولهذا أعود إلى عنوان المقال:
لبنان اقتصاد بلا من يقتصدون.
وأقصد هنا أن علينا أن نقتصد أولاً في شيء نهدره يومياً:
الوقت.
وأول الطريق هو إدارة أسرع، وتشريع أكثر مرونة، وأتمتة حقيقية تتيح إنجاز المعاملات إلكترونياً وتقلل الاحتكاك المباشر والفساد الإداري.
في عالم يتحرك بسرعة، الاقتصاد الذي ينتظر لا يبقى في مكانه.
بل يتراجع.
بقلم: محمد سلمان
رئيس التحرير

