بقلم محمد سلمان – رئيس التحرير
مع إطلاق «إي آند الإمارات» خدمة الاستضافة الآمنة للمواقع الإلكترونية داخل دولة الإمارات، أعتقد أننا أمام خطوة مهمة نحو مرحلة جديدة من تطور البنية الرقمية في الدولة، وخدمة طال انتظارها من قطاعات واسعة من الشركات والمؤسسات، ليس في الإمارات فحسب، وإنما ربما في المنطقة أيضاً إذا توسعت مستقبلاً خارج السوق المحلي.
فوجود خدمات استضافة محلية متطورة وآمنة، ومدعومة بالمراقبة والمتابعة على مدار الساعة، لا يمثل بالنسبة لي مجرد إضافة تقنية جديدة إلى السوق، وإنما جزءاً أساسياً من البنية التحتية التي أصبحت تحتاجها الشركات في عصر التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي.
وربما أنني أنظر إلى هذا الموضوع بطريقة مختلفة قليلاً بسبب تجربة شخصية بدأت معي قبل نحو 16 عاماً.
عندما أطلقت مجلة Business News في عام 2010، وكانت آنذاك مجلة مطبوعة، حرصت منذ البداية على أن تكون لها نسخة إلكترونية تساعد القراء الذين لا تصل إليهم النسخة المطبوعة على متابعة محتوى المجلة عبر الإنترنت.
في ذلك الوقت، لم تكن لدي خبرة حقيقية في المواقع الإلكترونية أو النطاقات أو الاستضافة أو أي من التفاصيل التقنية المرتبطة بها. كنت صحفياً وناشراً، وما يهمني هو المحتوى والشكل وطريقة تقديم المادة للقارئ.
لذلك أوكلت المهمة بالكامل إلى شركة تقنية متخصصة. قامت الشركة بشراء اسم النطاق، وحجز الاستضافة، وتصميم الموقع، بينما اقتصر دوري تقريباً على التوجيه الصحفي والتحريري.
وكانت تلك المرة الأولى التي أتعرف فيها عملياً إلى شيء اسمه استضافة المواقع الإلكترونية.
اليوم تبدو هذه الأمور بسيطة وربما بديهية، لكن قبل أكثر من عقد ونصف لم تكن كذلك بالنسبة للكثير من أصحاب الأعمال. كانت الاستضافة بالنسبة لي، ولعدد من أفراد فريق العمل، شيئاً مبهماً نتركه بالكامل للشركة التقنية ونثق بأنها ستدير كل شيء.
لكن بعد نحو عامين حدث ما لم يكن في الحسبان.
تعرض الموقع لانقطاع، ولم أكن أعرف السبب. عدت إلى الشركة التي أنشأت الموقع لكي أطلب منها المساعدة، فاكتشفت أن الشركة أغلقت أبوابها، ولم يعد هناك أحد يمكن التواصل معه.
هنا بدأت المشكلة الحقيقية.
كانت معلومات النطاق والاستضافة والكثير من التفاصيل الفنية في يد الشركة، وليس في أيدينا نحن أصحاب المشروع.
وجدت نفسي أمام خيارين: إما أن أتوقف عن الموضوع وأعود إلى التركيز الكامل على المجلة المطبوعة، أو أن أبدأ من جديد.
ولكي أضع الأمور في سياقها، لم يكن الموقع الإلكتروني آنذاك هو أساس العمل كما هو اليوم. كانت المجلة المطبوعة هي المنتج الرئيسي، وكنا نقوم بتوزيعها في الإمارات والسعودية والكويت وقطر ولبنان، من خلال عمليات لوجستية وقانونية ليست بالبسيطة. وفي ذلك الوقت كان فريق التوزيع من أكبر الفرق عدداً داخل المؤسسة.
كان من السهل أن أقول: الموقع ليس أولوية.
لكنني اتخذت قراراً مختلفاً.
قررت أن أبدأ مرة أخرى، بنطاق جديد واستضافة جديدة وموقع جديد، ولكن هذه المرة بشرط واحد: أن أفهم بنفسي أين يوجد كل شيء، ومن يملكه، وكيف يمكنني الوصول إليه.
عندما اشترينا اسم النطاق الجديد، حرصت على أن أقوم بذلك بنفسي، وأن تكون جميع المعلومات الأساسية والبيانات وكلمات المرور تحت سيطرتنا المباشرة. وفعلت الشيء نفسه مع الاستضافة وباقي الخدمات التقنية المرتبطة بالموقع.
منذ عام 2012 وحتى اليوم أصبحت متابعة هذه التفاصيل جزءاً أساسياً من العمل.
تعلمت من تلك التجربة أن الموقع الإلكتروني ليس مجرد تصميم جميل أو محتوى جيد. هناك خلفه بنية كاملة لا يراها القارئ: نطاق، استضافة، قواعد بيانات، نسخ احتياطية، أمن إلكتروني، مراقبة، تحديثات، وشركات ومراكز بيانات قد تكون موجودة في دول بعيدة جداً عن المكان الذي تعمل منه المؤسسة.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم أشعر يوماً براحة كاملة تجاه فكرة أن تكون استضافة مواقعنا في بلاد بعيدة، وفي بعض الأحيان في مراكز بيانات لا نعرف نحن كمستخدمين العاديين أين توجد فعلياً.
ومن هنا تحديداً أرى أهمية ما أعلنته «إي آند الإمارات».
فالشركة أعلنت في 25 سبتمبر 2026 إطلاق خدمة للاستضافة الآمنة للمواقع الإلكترونية، تستضيف المواقع داخل مراكز بياناتها في دولة الإمارات، مع مراقبة مستمرة من مركز عمليات الشبكات ومركز عمليات الأمن، إضافة إلى خدمات مرتبطة بالحماية من الهجمات الإلكترونية ومراقبة التهديدات والاستجابة للحوادث.
بالنسبة لي، هذه ليست مجرد خدمة Hosting جديدة.
الفارق هنا هو أن المؤسسة التي تتعامل معها تعرفها، وتعرف في أي دولة توجد بنيتها التحتية، ويمكن أن تتعامل معها ضمن بيئة تنظيمية محلية واضحة. كما أن مسألة بقاء البيانات داخل الدولة أصبحت في حد ذاتها عاملاً مهماً للشركات والجهات الحكومية التي تتعامل مع بيانات حساسة أو خدمات رقمية حيوية.
وعندما حاولت أن أنظر سريعاً إلى حجم السوق المحتمل، وجدت رقماً يستحق التوقف عنده.
بحسب هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، وصل عدد النطاقات المسجلة تحت النطاق الوطني الإماراتي .ae إلى 350,573 نطاقاً حتى أغسطس 2026.
وهذا الرقم يمثل نطاق .ae فقط.
أي أنه لا يشمل أعداداً كبيرة من الشركات والمواقع الإماراتية التي تعمل عبر نطاقات مثل .com و.net و.org وغيرها.
بمعنى آخر، لدينا داخل الإمارات وحدها قاعدة ضخمة من المواقع والشركات والمؤسسات التي تحتاج إلى الاستضافة، والحماية، والنسخ الاحتياطي، والمراقبة، والخدمات المرتبطة بإدارة بنيتها الرقمية.
وتشير بيانات Internet Society لعام 2026 كذلك إلى وجود 15 مركز بيانات عاملاً في الإمارات، وأن 73% من أكبر ألف موقع يتم الوصول إليها في الدولة يمكن الوصول إلى محتواها من خلال خادم أو ذاكرة تخزين مؤقت موجودة داخل الإمارات، وهو مؤشر آخر على التقدم الذي وصلت إليه البنية التحتية الرقمية المحلية.
لذلك أعتقد أن أمام «إي آند الإمارات» فرصة تتجاوز حدود تقديم خدمة استضافة تقليدية.
وأدعو الشركة، إذا كانت استراتيجيتها وخططها الفنية تسمح بذلك، إلى التفكير منذ البداية في أن تصبح هذه الخدمة مستقبلاً منصة إقليمية تخدم الشركات في الشرق الأوسط وأفريقيا.
فالسوق في رأيي كبير جداً.
هناك آلاف الشركات التي قد تفضل استضافة مواقعها وبياناتها لدى شركة إقليمية كبيرة ومعروفة، بدلاً من التعامل مع مزودين بعيدين لا تعرف عنهم إلا لوحة التحكم ورسالة تجديد تصل إلى البريد الإلكتروني مرة كل عام.
ولا أعرف حتى الآن ما إذا كانت «إي آند الإمارات» تخطط لإتاحة الخدمة للشركات الموجودة خارج دولة الإمارات، لكنني أرى أن هذا التوسع سيكون منطقياً إذا أثبتت الخدمة نجاحها محلياً.
الثقة هنا عنصر أساسي.
فعندما يتعلق الأمر بالموقع الإلكتروني لشركة، أو متجر إلكتروني، أو مؤسسة إعلامية، أو جهة حكومية، فإننا لا نتحدث فقط عن مساحة تخزين على خادم. نحن نتحدث عن حضور المؤسسة أمام العالم، وعن بياناتها، وعملائها، وأعمالها، وفي كثير من الأحيان عن جزء أساسي من إيراداتها.
الموقع الذي كان بالنسبة لنا في عام 2010 مجرد وسيلة إضافية ليقرأ شخص ما نسخة إلكترونية من مجلة مطبوعة، أصبح اليوم بالنسبة لمعظم المؤسسات جزءاً لا يمكن فصله عن نشاطها الأساسي.
وهذا وحده يوضح حجم التحول الذي حدث خلال سنوات قليلة.
وأعتقد أن إطلاق خدمة استضافة محلية آمنة بهذا المستوى يمكن أن يفتح الباب أمام خدمات أخرى أكثر تقدماً في المستقبل: من الأمن السيبراني، إلى النسخ الاحتياطي وإدارة البيانات، والخدمات السحابية، وإدارة المواقع والتطبيقات، وصولاً إلى الحلول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لذلك أرى أن خطوة «إي آند الإمارات» ليست مجرد إطلاق منتج جديد، وإنما خطوة في اتجاه بناء منظومة رقمية أكثر اكتمالاً داخل الدولة.
وهي خطوة ستكون، من وجهة نظري، موضع ترحيب من قطاعات حكومية واقتصادية وتجارية واسعة.
أما بالنسبة لي شخصياً، وبعد تجربة بدأت بموقع صغير لمجلة مطبوعة قبل 16 عاماً، فإن فكرة أن أستطيع اليوم استضافة موقع داخل الإمارات، لدى شركة أعرفها، وفي مراكز بيانات موجودة في الدولة، مع مراقبة أمنية وتشغيلية على مدار الساعة، هي بالضبط نوع التطور التقني الذي كنت أتمنى وجوده عندما بدأت تلك الرحلة في عام 2010.

