بقلم : محمد سلمان
رئيس التحرير
في خطوة استراتيجية لافتة، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك+»، في قرار يعكس تحوّلاً مدروساً في سياسات الطاقة، ويؤكد قدرة الدولة على قراءة المشهد العالمي واتخاذ قرارات سيادية تتماشى مع مصالحها طويلة الأمد.
لم يكن القرار مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من التطور في قطاع الطاقة الإماراتي، حيث نجحت الدولة خلال السنوات الماضية في تعزيز قدراتها الإنتاجية، وتطوير بنيتها التحتية، وتوسيع استثماراتها عبر سلسلة القيمة في النفط والغاز، إلى جانب الطاقة المتجددة والحلول منخفضة الكربون.
يوفر الخروج من «أوبك+» للإمارات مرونة أكبر في إدارة مستويات الإنتاج، بعيداً عن القيود المرتبطة بحصص المنظمة. ومع امتلاك الدولة طاقة إنتاجية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، فإن هذه الخطوة تتيح لها الاستجابة بشكل أسرع لمتغيرات السوق، والاستفادة من فترات ارتفاع الطلب العالمي.
تُعد الإمارات من بين أقل المنتجين من حيث التكلفة وأدناهم من حيث الكثافة الكربونية، ما يمنحها ميزة تنافسية قوية في سوق الطاقة العالمي. ومع تزايد المنافسة من منتجين مستقلين مثل الولايات المتحدة والبرازيل، يصبح من المنطقي أن تسعى الدولة إلى تعظيم عوائدها وتعزيز موقعها بعيداً عن القيود الجماعية.
رغم الانسحاب، أكدت الإمارات التزامها باستقرار الأسواق العالمية ونهجها القائم على التعاون مع المنتجين والمستهلكين. وهذا يعكس توازناً دقيقاً بين تحقيق الاستقلالية في القرار الإنتاجي، والاستمرار في لعب دور مسؤول في دعم استقرار سوق النفط.
يأتي القرار في وقت يشهد فيه العالم تقلبات جيوسياسية مؤثرة، لا سيما في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، إلى جانب تحولات هيكلية في سوق الطاقة العالمي. ومع استمرار نمو الطلب على الطاقة على المدى المتوسط والبعيد، تسعى الإمارات إلى وضع نفسها في موقع أكثر مرونة واستعداداً للاستفادة من هذه التحولات.
من المرجح أن تواصل الإمارات زيادة إنتاجها بشكل تدريجي ومدروس، بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق، مع الحفاظ على استثماراتها الضخمة في القطاع والتي تتجاوز 150 مليار دولار حتى عام 2030. كما ستستمر في تطوير شراكاتها الدولية، بما يدعم النمو الاقتصادي والتنويع بعيداً عن النفط.
من هذا المنطلق فأن خروج الإمارات من «أوبك» ليس انسحاباً بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي يعكس نضج السياسات الاقتصادية للدولة. إنه قرار يعزز المرونة، ويدعم التنافسية، ويؤكد أن الإمارات لا تكتفي بمواكبة التحولات العالمية، بل تسعى لقيادتها.

