القاهرة في 18 سبتمبر / أ ش أ : أعادت الشركات العالمية خلال السنوات الأخيرة رسم خريطة استثماراتها، بحثًا عن أسواق تجمع بين فرص النمو، وتنافسية الإنتاج، والقدرة على النفاذ إلى أسواق متعددة من قاعدة واحدة.
وفرضت مصر نفسها ضمن الوجهات التي جذبت توسعات شركات كبرى، فلم تعد تنظر إلى السوق المصرية باعتبارها سوقًا استهلاكية ضخمة فحسب، وإنما كقاعدة للإنتاج والتصدير وتقديم الخدمات إلى أسواق المنطقة وإفريقيا والعالم.
وتكشف قرارات هذه الشركات عن عوامل متعددة تقف وراء اختيار مصر، من الموقع الجغرافي والكوادر البشرية وتوافر المهارات وتعدد اللغات، إلى البنية الأساسية واللوجستية واتساع السوق المحلية، فضلًا عن جاذبية مناخ الاستثمار وإمكانية بناء عمليات متكاملة تجمع بين التصنيع والخدمات والتصدير.
وفي قطاع خدمات التعهيد، أعلنت شركة «كونسنتركس» الأمريكية استثمار نحو مليار دولار في مصر، مع استهداف توفير 16 ألف فرصة عمل جديدة والوصول بإجمالي العاملين لديها إلى 35 ألف موظف بحلول عام 2028، في توسع قالت الشركة إنه يستفيد من قاعدة المواهب الشابة والدعم الحكومي.
وتقدم شركة «Vodafone Intelligent Solutions – VOIS»، الذراع العالمية لخدمات التكنولوجيا والأعمال لمجموعة«Vodafone» البريطانية، نموذجًا أكثر اتساعًا لدور مصر في تصدير الخدمات؛ فالشركة تعمل في 28 دولة ويبلغ عدد العاملين بها عالميًا نحو 35 ألف موظف، بينما تمثل عملياتها في مصر ثاني أكبر عملياتها على مستوى العالم، من خلال مركزيها في القاهرة والإسكندرية، اللذين يضمان نحو 9500 موظف، أي ما يقرب من ثلث قوتها العاملة عالميًا.
وتستهدف «VOIS» إضافة 1500 وظيفة جديدة في مصر، فيما بلغت قيمة الخدمات التي تصدرها من السوق المصرية نحو 200 مليون يورو خلال العام المالي الحالي، وتمثل صادرات الخدمات نحو 95% من إجمالي عوائدها في مصر، وتقدم فرق العمل خدماتها بسبع لغات، بينها الإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية.
ولا تتوقف جاذبية مصر بالنسبة لشركات التعهيد عند حجم العمالة، إذ توسعت «إنتلسيا» الفرنسية-المغربية في مراكزها بالقاهرة والإسكندرية لخدمة عملاء في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج، بينما أنشأت «كابجيميني» الفرنسية مركزًا للتميز في الذكاء الاصطناعي في مصر لخدمة عملائها حول العالم، مستفيدة من المواهب المحلية والشراكات الأكاديمية والتكنولوجية.
وهكذا تحولت مصر في هذا القطاع من مجرد سوق للخدمات إلى منصة يمكن من خلالها تقديم خدمات عالمية بلغات وأسواق متعددة، وهو ما يتماشى مع توجه شركات صناعية كبرى إلى استخدام مصر أيضًا كنقطة انطلاق لعمليات إنتاج وتصدير إقليمية.
وفي الصناعة، افتتحت «سيمنس» الألمانية مصنعًا جديدًا للكهرباء والأتمتة في مصر، بما يدعم توطين تكنولوجيات الشبكات والطاقة وتطوير الخبرات المحلية، في نموذج يجمع بين الإنتاج والتكنولوجيا والتدريب ونقل المعرفة.
كما اختارت «بوش» الألمانية وذراعها للأجهزة المنزلية «BSH» مصر لإنشاء أول مصنع لها في إفريقيا، مستفيدة من السوق المحلية وموقع مصر وقدرتها على الوصول إلى أسواق المنطقة. بينما تحولت مصر بالنسبة إلى «سامسونج» الكورية الجنوبية إلى قاعدة للإنتاج والتصدير، إذ ينتج مصنع بني سويف أجهزة إلكترونية متعددة ويوجه جانبًا كبيرًا من إنتاجه إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا.
وفي الصناعات الاستهلاكية أيضًا، يمثل مصنع «لوريال» الفرنسية في العاشر من رمضان مركزًا إقليميًا للتصدير، حيث يذهب أكثر من 85% من إنتاجه إلى أكثر من 20 دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وتظهر صناعة السيارات باعتبارها أحد أكثر القطاعات التي تكشف عن هذا التحول، مع انتقال مصر تدريجيًا من مجرد سوق للسيارات إلى قاعدة للتصنيع والتجميع وإنتاج المكونات والتصدير.
فبدأت «نيسان» اليابانية إنتاج أول سيارة «نيسان ماجنيت» في إفريقيا من مصنعها بمدينة السادس من أكتوبر، بعد ضخ استثمارات إضافية بقيمة 45 مليون دولار لتطوير خطوط الإنتاج، ليرتفع إجمالي استثمارات الشركة في مصر إلى أكثر من 276 مليون دولار.
وتستهدف «نيسان مصر» رفع الطاقة الإنتاجية إلى 50 ألف سيارة سنويًا، مقابل نحو 30 ألف سيارة حاليًا، مع وصول نسبة المكون المحلي إلى 55%، فيما تجاوزت صادراتها 25 ألف سيارة خلال السنوات الأخيرة، بما يعزز دور مصر كمركز للتصنيع والتصدير للأسواق الإفريقية.
وتتجه «تويوتا تسوشو» اليابانية بدورها إلى تجميع سلسلة جديدة من سيارات «تويوتا» في مصر، إلى جانب نشاطها في قطاعات السيارات والطاقة والبنية التحتية الخضراء واللوجستيات.
ولا يقتصر حضورها على التصنيع، إذ بدأت في يوليو 2025 تشغيل «محطة قناة السويس للسيارات» في شرق بورسعيد، بطاقة تخزين أولية تبلغ 2550 سيارة قابلة للزيادة إلى 10 آلاف سيارة، مستفيدة من موقعها لخدمة حركة السيارات بين مصر وأوروبا ومنطقة البحر المتوسط.
وتتوالى الاستثمارات مع «ستيلانتس» الأوروبية، التي بدأت إنتاج «Citroën C4X» في مصر، و«جنرال موتورز» التي تجاوز إنتاجها مليون سيارة في مصر مع استثمارات تزيد على 530 مليون دولار، فيما تواصل «مرسيدس-بنز» الألمانية تعزيز أعمالها، مؤكدة أهمية السوق المصرية بالنسبة لاستراتيجيتها الإقليمية، مع مصنع في السادس من أكتوبر تبلغ طاقته نحو 5 آلاف سيارة سنويًا ونسبة مكون محلي تصل إلى 45%.
ولا تقتصر صناعة السيارات على السيارات كاملة الصنع؛ إذ تنتج «سوميتومو إلكتريك» اليابانية ضفائر وأسلاك السيارات في مصانعها بمصر، بإنتاج يبلغ نحو 1.8 مليون ضفيرة شهريًا، وتتجاوز صادراتها 300 مليون يورو سنويًا، مع أكثر من 12 ألف عامل، بما يضع مصر داخل مراحل أكثر تقدمًا في سلاسل القيمة العالمية لصناعة السيارات.
كما بدأت «جيتور» الصينية تنفيذ مشروع للتصنيع والتجميع المحلي باستثمارات تصل إلى نحو 123 مليون دولار، بينما ترتبط خطط «فولكس فاجن» الألمانية بالتوسع في تصنيع السيارات، بما فيها السيارات الكهربائية.
وتكشف هذه الاستثمارات عن أن عامل الجذب لم يعد عنصرًا واحدًا؛ فالشركات تجد في مصر سوقًا كبيرة، وموقعًا يربط إفريقيا وأوروبا وآسيا، وبنية أساسية ولوجستية تسمح بالحركة والتصدير، إلى جانب قاعدة بشرية واسعة تجمع بين المهارات الفنية واللغات، فضلًا عن إمكانية الجمع بين الإنتاج والخدمات والتصدير من موقع واحد.
وعززت الدولة هذه المقومات بإجراءات لتحسين بيئة الأعمال، شملت تبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء الإدارية، والتوسع في الخدمات الرقمية للمستثمرين، وتيسير الحصول على التراخيص، وتطوير المناطق الصناعية والبنية التحتية، بما يفتح المجال أمام القطاع الخاص لتوسيع نشاطه.
وتعكس الأرقام هذا التوسع؛ إذ شهدت مصر تأسيس 5022 شركة أجنبية خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 33.7% عن الفترة نفسها من 2025، بينما ارتفعت تدفقات رأس المال المصدر لهذه الشركات بنسبة 20.9% إلى 21.4 مليار جنيه.
وفي قطاع الخدمات الرقمية، وصلت صادرات التعهيد المصرية إلى 5.2 مليار دولار في 2025، مع 252 شركة تعمل عبر 282 مركزًا لتقديم الخدمات، بينها 177 شركة متعددة الجنسيات، ويعمل بها أكثر من 195 ألف متخصص.
وتشير هذه الاستثمارات إلى اتساع نطاق الدور الذي تؤديه مصر في اجندة الشركات العالمية؛ فهي لا تستقبل الاستثمارات بوصفها سوقًا محلية فحسب، وإنما توفر للشركات قاعدة للإنتاج والتصدير، ومركزًا للخدمات والابتكار، ومصدرًا للكوادر والمواهب، وموقعًا لإنتاج مكونات تدخل في سلاسل الإمداد العالمية.
ومع إعادة تشكيل خريطة الإنتاج والخدمات وسلاسل الإمداد عالميًا، تتزايد أهمية قدرة الدول على تقديم منظومة متكاملة من المزايا، وهو ما توفره مصر من خلال سوقها الكبيرة، وموقعها الجغرافي، وبنيتها الأساسية، وقاعدتها البشرية، وقدرتها على الوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.
وتكشف الاستثمارات والتوسعات القائمة أن هذه المقومات تجاوزت مرحلة المزايا النظرية لتتحول إلى مشروعات ومصانع ومراكز خدمات وخطوط إنتاج وصادرات فعلية، بما يعكس تنوع الأدوار التي باتت تؤديها مصر في استراتيجيات الشركات العالمية، ويعزز حضورها على خريطة الاستثمار والإنتاج والخدمات في المنطقة.

