الشارقة، 23 أغسطس 2026
بالنسبة إلى شركة تعمل في الذكاء الاصطناعي، قد تكون الفكرة أو التقنية نقطة البداية، لكن تحويلها إلى عمل قابل للنمو يعتمد على سلسلة من الأسئلة أبرزها: أين تؤسس أعمالها؟ وكم تحتاج من الوقت والكلفة للانتقال من الترخيص إلى التشغيل؟ وكيف تصل إلى العملاء والشركاء والأسواق من دون أن تستنزف مرحلة التأسيس مواردها؟
وتكتسب هذه الاعتبارات وزناً أكبر في سوق إماراتي تتسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتتسارع الفرص التجارية المرتبطة بها، إذ يتجه سوق الذكاء الاصطناعي في الدولة نحو تحقيق إيرادات متوقعة تصل إلى نحو 97.45 مليار دولار بحلول عام 2033، مع معدل نمو سنوي مركب يبلغ 36.3% بين عامي 2026 و2033.
ضمن هذا المشهد، يبرز في المنطقة الحرة لمدينة الشارقة للنشر مجتمع يضم أكثر من 1,000 شركة تعمل في أنشطة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحلول الذكية، تتوزع أعمالها بين البحث والابتكار والاستشارات، وتدريب النماذج، وتطوير الحلول، وإدارة الأنظمة والروبوتات الذكية، وهو ما يثير سؤال: ما الذي يجذب هذا العدد من الشركات إلى مجتمع أعمال واحد؟.
تكشف الإجابة عن مجموعة من العوامل التي أصبحت أكثر تأثيراً في قرارات شركات التكنولوجيا، أهمها: سرعة الانتقال من التأسيس إلى التشغيل، ومرونة الترخيص، وكلفة البداية، والقدرة على الوصول إلى شبكة من العملاء والشركاء والخدمات، وهي عناصر تجمعها مدينة الشارقة للنشر ضمن مجتمع يضم أكثر من 20 ألف شركة من 173 دولة، وتقدم من خلالها قاعدة للأعمال لا تقتصر وظيفتها على إصدار الرخص، بل تمتد إلى تهيئة مسارات للنمو والوصول إلى السوق.
ويتضاعف تأثير كل هذه العناصر، بالنظر إلى أن حضور شركات الذكاء الاصطناعي في المدينة لا يقتصر على نشاط تقني واحد، بل يمتد عبر مراحل مختلفة من تطوير الحلول وتشغيلها؛ إذ تعمل 691 شركة في مجالات البحث والابتكار والاستشارات، و125 في تدريب النماذج، و110 في تطوير الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، و26 في إدارة وتشغيل الأنظمة والروبوتات الذكية، إلى جانب شركات تنشط في البحث المتقدم وتجارة الروبوتات، وهو ما يمنح مجتمع الأعمال بعداً يتجاوز عدد الشركات، ليصل إلى توفير خبرات وأنشطة يمكن أن تتقاطع احتياجاتها وخدماتها وفرص تعاونها.
اختصار الطريق إلى التشغيل
تبدأ إحدى الإجابات من مرحلة التأسيس نفسها، التي يمثل الوقت والكلفة فيها عاملين مؤثرين في قرار الشركات، خصوصاً في القطاعات التقنية سريعة التغير، وفي المنطقة الحرة لمدينة الشارقة للنشر، تبدأ باقات التأسيس من 5,750 درهماً، فيما تتيح إجراءاتها إصدار رخص الأعمال فوراً، وإنجاز بعض الرخص عبر مسار مدعوم بالذكاء الاصطناعي خلال دقائق، إلى جانب إجراءات للإقامة خلال خمسة أيام عمل، ودعم فتح الحساب المصرفي خلال ثلاثة أيام عمل.
ولا تتوقف المسألة عند سرعة إصدار الرخصة؛ إذ توفر المنطقة الحرة أكثر من 40 خدمة مضافة للأعمال، لتغطي بذلك جانباً من المتطلبات التي ترافق انتقال الشركة من التسجيل إلى بدء نشاطها وتشغيل أعمالها.
مرونة تواكب تغير الأعمال
ومع الانتقال من التأسيس إلى التشغيل، لا تبقى احتياجات الشركات التقنية ثابتة؛ إذ قد يتطور النشاط أو تتوسع الخدمات والمنتجات مع نمو الشركة ودخولها مجالات جديدة. وفي هذا الجانب، تتيح المنطقة الحرة لمدينة الشارقة للنشر أكثر من 2,000 نشاط تجاري، وإمكانية الجمع بين ما يصل إلى خمسة أنشطة تحت رخصة واحدة، إلى جانب الملكية الأجنبية بنسبة 100%، وعدم اشتراط رأس مال مدفوع، وخيار الرخصة المزدوجة الذي يتيح للشركات العمل في المنطقة الحرة والسوق المحلية.
ويمتد هذا التنوع إلى خيارات التشغيل، التي تشمل المكاتب المرنة ومساحات العمل المشتركة والمستودعات ومناطق التخزين وقاعات الاجتماعات، ما يتيح للشركات اختيار متطلباتها التشغيلية وفق طبيعة نشاطها ومرحلة تطورها.
حين تصبح الشركات جزءاً من الفرصة
لكن نمو الشركة لا تحدده إجراءات التأسيس وحدها؛ فمع بدء النشاط تصبح العلاقات والوصول إلى العملاء والخدمات والشركاء جزءاً من معادلة النمو. وهنا تعمل شركات الذكاء الاصطناعي داخل مجتمع يضم أكثر من 20 ألف شركة، تتوزع على قطاعات من بينها التجارة الإلكترونية والتجارة العامة والتسويق الرقمي وحلول تكنولوجيا المعلومات.
ويخلق هذا التنوع نقاط تقاطع بين شركات تطور حلولاً تقنية وأعمال تحتاج إلى هذه الحلول أو خدمات مرتبطة بها، إلى جانب فرص للتعاون بين الشركات العاملة في حلقات مختلفة من القطاع نفسه. كما يضيف موقع المدينة، وقربها من مطاري الشارقة ودبي، بعداً آخر للشركات التي تنظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها قاعدة للوصول إلى عملاء وأسواق داخل الدولة وخارجها.
بيئة تستخدم التقنية التي تستقطب شركاتها
ويحمل حضور شركات الذكاء الاصطناعي في المدينة بعداً آخر يرتبط بطريقة تطوير خدمات المنطقة الحرة نفسها؛ ففي أواخر عام 2024، أطلقت مدينة الشارقة للنشر أول رخصة أعمال مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتيح إنجاز عملية الترخيص خلال أقل من خمس دقائق. ويضع ذلك التقنية في صلب تجربة تأسيس الأعمال، وليس فقط ضمن قائمة القطاعات التي تستقطبها المنطقة الحرة.
وقال سيف السويدي، مدير المنطقة الحرة لمدينة الشارقة للنشر: “يعكس نمو الشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحلول الذكية في مدينة الشارقة للنشر التحول الأوسع الذي يشهده مشهد الأعمال. وينصب تركيزنا على بناء بيئة تُمكّن هذه الشركات من تأسيس أعمالها بكفاءة، وتمنحها المرونة والخدمات التي تحتاج إليها لدعم نموها وتوسعها. ومع تسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، تتزايد حاجة الشركات إلى سرعة الوصول إلى الأسواق والاستفادة من فرص النمو. لذلك، نواصل تطوير خدماتنا واستقطاب الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الجديد، بما يعزز تنوع مجتمع الأعمال في مدينة الشارقة للنشر، ويربط الشركات بفرص النمو داخل دولة الإمارات وخارجها.”
بين سوق يتسع سريعاً وشركات تحتاج إلى اختصار المسافة بين الفكرة والسوق، يقدم نمو مجتمع الذكاء الاصطناعي في مدينة الشارقة للنشر قراءة أوسع لما أصبح يحكم اختيار بيئات الأعمال في القطاعات التقنية. فالكلفة وسرعة التأسيس تظل جزءاً من القرار، لكن ما يأتي بعد الرخصة، من مرونة التشغيل والوصول إلى الخدمات والعلاقات والأسواق، يصبح أكثر أهمية كلما انتقلت الشركة من إطلاق فكرتها إلى بناء عمل قابل للنمو والتوسع.

