أسعدني اليوم معرفة أن مصرف الإمارات للتنمية سيستضيف معرض «تيار النمو»، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على المنتجات المصنّعة في دولة الإمارات. وبرأيي، فإن مثل هذه المبادرات شديدة القيمة، لأنها تمثل مدماكاً أساسياً في بناء ثقافة صناعية حقيقية وتشجيع المنتج المحلي، وهو أمر لا أنفك أدعو إليه في مختلف دول المنطقة.
لا حاجة إلى كثير من الشرح للقول إن الصناعة والإنتاج يمثلان العمود الفقري لأي اقتصاد قوي طويل الأمد. وهذا لا يعني التقليل من أهمية القطاعات الأخرى، مثل السياحة والخدمات والعقار والتجارة، لكنها تبقى أكثر قوة واستدامة عندما تقوم إلى جانب قاعدة إنتاجية وصناعية راسخة.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: كيف نبني مصانع أكثر؟
السؤال الحقيقي هو: أي مصانع يجب أن نبني؟ وماذا ينبغي أن تنتج؟ وعلى أي أساس نختار هذه الصناعات؟
هنا تبدأ المسألة من نقطة أسبق بكثير من شراء الأرض أو المعدات أو إنشاء خطوط الإنتاج.
البداية من الموارد التي نملكها
لكي تصبح الصناعة المحلية قادرة على المنافسة بالجودة والسعر في الأسواق العالمية، فمن المنطقي أن تبدأ، قدر الإمكان، من الموارد والمواد الخام المتاحة محلياً.
الإمارات، شأنها شأن دول الخليج، تمتلك مجموعة من الموارد الطبيعية والمواد الخام التي يمكن أن تكون أساساً لصناعات ذات قيمة مضافة أعلى إذا جرى التعامل معها بمنهج بحثي وصناعي متكامل.
الفكرة ليست في استخراج المادة الخام وبيعها كما هي، بل في السؤال:
ماذا يمكن أن نصنع منها؟
وما المنتجات الجديدة التي يمكن تطويرها اعتماداً عليها؟
وهل يمكن تحويل مادة محلية منخفضة القيمة نسبياً إلى منتج صناعي متقدم يباع في الأسواق العالمية بقيمة مضاعفة عدة مرات؟
هذه، في رأيي، هي النقطة التي تصنع الفارق بين اقتصاد يمتلك الموارد واقتصاد يعرف كيف يحول موارده إلى ثروة.
الصناعة التي تبدأ من التقليد ستبقى خلف الآخرين
واحدة من المشكلات التي تواجه الصناعات الناشئة في كثير من الدول هي أنها تبدأ بفكرة تصنيع منتج موجود بالفعل في السوق العالمي وتنتجه عشرات أو مئات الشركات.
ثم تبدأ المنافسة بعد ذلك على السعر.
وهنا تدخل الصناعة الجديدة منذ يومها الأول في سباق شديد الصعوبة مع شركات تمتلك خبرات تمتد لعقود، وسلاسل توريد ضخمة، وإنتاجاً واسع النطاق، وتقنيات متقدمة، وأسواقاً مستقرة.
لذلك لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو:
ما المنتج الذي يمكننا تصنيعه محلياً؟
بل:
ما المنتج الذي يمكننا تصنيعه بصورة أفضل أو مختلفة أو أكثر كفاءة من الموجود حالياً؟
وهنا يأتي الدور الحقيقي للبحث والتطوير.
المختبر يجب أن يسبق المصنع
في كثير من الدول الصناعية الكبرى، لا تبدأ الصناعة بقرار إنشاء مصنع، بل تبدأ بفكرة داخل مختبر أو مركز أبحاث.
تتم دراسة المادة الخام.
ثم خصائصها.
ثم إمكانات استخدامها.
ثم يتم تطوير عشرات النماذج والتجارب قبل الوصول إلى منتج قابل للتصنيع التجاري.
بعد ذلك تبدأ دراسة السوق والتكلفة وحجم الطلب والمنافسة وإمكانية التصدير.
وعندما تثبت الفكرة قدرتها الاقتصادية، يأتي المصنع كنتيجة طبيعية للبحث، وليس كنقطة البداية.
وهذا ما أعتقد أننا بحاجة إلى ترسيخه بصورة أكبر في منطقتنا.
المصنع يجب أن يكون نتيجة للبحث، لا بديلاً عنه.
لماذا نحتاج إلى صناعات متفردة؟
الأسواق العالمية اليوم شديدة التنافسية.
كل دولة تبحث عن ميزة.
وكل شركة تحاول تقليل التكلفة وتحسين الجودة وتسريع الإنتاج.
ولذلك فإن دخول الأسواق الدولية بمنتج تقليدي لا يقدم ميزة واضحة أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
أما إذا استطاعت دولة ما تطوير مادة جديدة، أو طريقة تصنيع مختلفة، أو منتج أكثر كفاءة أو استدامة أو أقل تكلفة، فإنها لا تدخل المنافسة فقط، بل قد تصنع لنفسها سوقاً جديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للبحث العلمي المرتبط بالصناعة.
فالأبحاث التي نحتاجها ليست أبحاثاً نظرية معزولة عن الاقتصاد، بل أبحاث تسأل:
ما المواد المتوافرة لدينا؟
ما خصائصها؟
ما المنتجات الممكن تطويرها منها؟
ما الاحتياجات التي لم تجد بعد حلولاً صناعية كافية؟
وأين توجد الأسواق التي يمكن أن تستوعب هذه المنتجات؟
الجامعات يجب أن تكون جزءاً من المنظومة الصناعية
لدينا في المنطقة جامعات جيدة، ومهندسون، وباحثون، وشركات، ومؤسسات تمويل.
لكن التحدي الحقيقي هو في ربط هذه الأطراف ضمن منظومة واحدة.
يمكن، على سبيل المثال، أن تختار كل جامعة أو مركز بحثي عدداً من المواد الخام المحلية أو القطاعات ذات الأولوية، وتبدأ برامج بحثية طويلة المدى بهدف تطوير منتجات قابلة للتصنيع التجاري.
وفي الوقت نفسه، يمكن للشركات أن تدخل منذ المراحل الأولى في هذه الأبحاث، حتى لا تبقى نتائجها حبيسة المختبرات.
أما المؤسسات التمويلية والتنموية، فيمكن أن تلعب دوراً بالغ الأهمية في نقل المشروع من مرحلة البحث والتجربة إلى مرحلة التصنيع التجاري.
عندها يصبح لدينا مسار واضح:
مادة خام محلية → بحث علمي → ابتكار → نموذج أولي → دراسة سوق → تمويل → مصنع → تصدير.
هذا هو المسار الذي يمكن أن يصنع صناعة مختلفة بالفعل.
من «صنع في الإمارات» إلى «ابتُكر في الإمارات»
لقد قطعت الإمارات شوطاً كبيراً في تطوير القطاع الصناعي وتشجيع التصنيع المحلي، لكن المرحلة التالية يمكن أن تكون أكثر طموحاً.
ليس فقط أن نقول:
صنع في الإمارات.
بل أيضاً:
طُوّر في الإمارات.
ابتُكر في الإمارات.
واستخدم موارد إماراتية وتحول إلى منتج ينافس عالمياً.
عندها تصبح الصناعة أكثر من مجرد عملية إنتاج.
تصبح معرفة.
وتكنولوجيا.
ووظائف متخصصة.
وحقوق ملكية فكرية.
وسلاسل توريد محلية.
وصادرات ذات قيمة أعلى.
وهذا، في رأيي، هو الطريق إلى صناعة قادرة على الاستمرار والمنافسة لعقود، وليس فقط إلى مصنع ينجح لعدة سنوات ثم يجد نفسه أمام منافسين ينتجون السلعة نفسها بسعر أقل.
فالمستقبل الصناعي لن يكون لمن يمتلك أكبر عدد من المصانع فقط، بل لمن يمتلك الفكرة، والبحث، والمواد، والقدرة على تحويلها إلى منتج لا يستطيع الآخرون تقليده بسهولة.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام الإمارات، وأمام دول الخليج عموماً.
قبل أن نبني المصنع، علينا أن نعرف أولاً ما الذي يستحق أن نصنعه.

